ماذا جرى لبريطانيا (العظمى).. فلم تعد عظمى؟ وإذا كان التدهور الاقتصادي لبريطانيا رائدة العصر الصناعي المعاصر ومهد (الثورة الصناعية) التاريخية عجيبا بما يكفي فإن تدهورها الاجتماعي أكثر مدعاة للعحب. عندما غادرت مطار هيثرو ذات مرة عند أواخر الستينيات بعد أن عشت في بريطانيا طالباً للعلم في تلك الحقبة لم أكن لأعلم أنني لن أعود اليها الا في منتصف الثمانينيات. وعندما عدت بعد 18 عاماً اصابتني صدمة كان تأثيرها يتضاعف طوال الاسبوعين اللذين قضيتهما منتقلا من مفاجأة الى اخرى: أسعار السلع الاستهلاكية زادت بمقدار عشرة أضعاف عن عقد السيتينيات.. ونصف السيارات والالكترونيات وآلات التصوير من صنع ياباني حلت مكان رصيفاتها البريطانية.. وفي محطات (المترو) تحت الأرض يسترعي انتباهك شاب بريطاني قوي البنية يمارس التسول. بإيجاز.. كان كل ما شاهدته في بريطانيا الثمانينيات نقيض ما عشته في بريطانيا الستينيات. فماذا جرى؟ إن باكورة اسباب التدهور الاقتصادي البريطاني فقدان بريطانيا امبراطوريتها الاستعمارية التي كانت تمدها في آن معاً بالمواد الخام الرخيصة وتستقبل من ناحية اخرى سلعها المصنعة كأسواق مضمونة ومحتكرة. وإذا كانت حركة التحرر الوطني في المستعمرات بدأت تؤتي ثمارها عند أواخر عقد الأربعينيات عندما نالت الهند (درة التاج البريطاني كما كان يطلق عليها في عهد الامبراطورية) استقلالها في عام 1947, فإنها بلغت فصلها النهائي في النصف الأول من الستينيات. في عام 1967 ظهرت أول علامة للخطر: في تلك السنة جرى أول خفض رسمي في سعر صرف الجنيه الاسترليني منذ 150 سنة. ولم يدرك الكثيرون حينئذ ان تلك الخطوة كانت للتمهيد لما بعدها.. وهو خصخصة بعض المرافق الاساسية كخدمات السكة الحديد والاتصالات مثلا للمرة الأولى. وكان هذا إيذانا بتفكك القطاع العام البريطاني مع تضاؤل حجم الدولة كمالك أول لوسائل الانتاج ودخول الاقتصاد البريطاني بأكمله تقريبا عهد اقتصاد السوق الحر. إن الكارثة العظمى التي أتى بها الانتقال الى اقتصاد السوق في بريطانيا هي تحويلها من الاقتصاد الانتاجي الى اقتصاد الخدمات.. وهكذا اخذ قطاع الانتاج الصناعي يذوي ليهبط ببريطانيا كقوة صناعية في المقدمة الى قوة من الدرجة الثالثة. وأفرز التدهور الاقتصادي بدوره تدهورا اجتماعيا. ويفيد تقرير صدر هذا العام عن ضحايا الجريمة في الدول الصناعية أن بريطانيا تتفوق في نسب النشاط الاجرامي عن كل الدول الاخرى الغنية, خاصة في مجال الجرائم التي يصاحبها عنف كالتهجم على الافراد والاعتداء الجنسي والنهب والسطو المنزلي. في هذا المجال صارت بريطانيا متفوقة حتى على الولايات المتحدة. لكن فقدان بريطانيا لمستعمراتها ليس العامل الوحيد لكارثتها الاقتصادية. فهناك أيضاً عامل التدخل الأمريكي. إن ما اضطر بريطانيا الى الانسحاب من المستعمرات في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية واحدة تلو الأخرى هو ما واجهت من ضغوط أمريكية كان هدف الولايات المتحدة منها هو الاستئثار بهذه المستعمرات كأسواق للمنتجات الأمريكية مما كان يتطلب تصفية الوجود البريطاني فيها. وهكذا تضاءلت مكانة بريطانيا في ميدان التجارة العالمية.. فلم تعد جديرة باسم (بريطانيا العظمى).