بداية لا بد من الاعتراف أن انتصار الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية, أثلج صدور صناع القرار السياسي العربي, انطلاقاً من أن هذا الحزب واضح في كل ما يسعى إليه بعيداً عن المواربة واستخدام التكتيكات السياسية الممجوجة التي يمارسها الديمقراطيون عادة. وقد زاد من الارتياح هذا, بعض التصريحات التي أطلقها البيت الأبيض على الملأ, إزاء الكثير من القضايا العربية العالقة, خاصة قضيتي الانتفاضة الفلسطينية وديمومة الحصار على العراق. لكن بعيداً عن التكهنات والتوقعات والهواجس, كعادتهم, سرعان ما أعلن الجمهوريون عن نواياهم وبرامجهم على المدى المنظور دون مواربة أو مراوغة, باعتبار القضية العراقية وتداعياتها تأتي بالدرجة الأولى, بل أكثر من ذلك أنها العتبة الأولى والأساسية في سلم أولوياتها واهتماماتها, والتي ستبني عليها الإدارة الجديدة جل سياساتها المتعلقة بالمنطقة. حتى بدأ البعض يرى في جولة وزير الخارجية الأمريكية كولن باول منذ اللحظة الأولى بتدشينها في مصر, بأنها تحمل الكثير من المفاجآت غير السارة, لأنها استبعد الملف الفلسطيني, باعتباره ملفا ثانويا قد لا يرقى إلى أولويات الإدارة الجديدة, وهذا فعلاً ما بدا لافتاً من خلال حزمة الأفكار التي طرحها باول على المسئولين المصريين, بحيث خلت من أي اقتراح حول عملية التسوية السلمية المتعثرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولعل موقف الإدارة الجديدة كان الأشد وضوحاً لحظة وصول باول الى قاعة المؤتمر الصحفي, والتي تعج بالمراسلين الصحفيين ومندوبي وكالات الأنباء بالشراكة مع الوزير عمرو موسى المضيف, والذي قال فيه الأول ان (موقفنا هو أن ننتظر لنرى ونحض الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على وقف العنف ثم نبدأ في ترتيب الأمن للجانبين ونبذل قصارى جهدنا لوقف العنف حتى تتمكن المفاوضات بينهما من البدء من جديد) وقد جاءت هذه التصريحات مخالفة, أو على أقل تقدير متباعدة عن الموقف المصري الذي نقل رسالة شديدة الوضوح لما تمثله الأراضي الفلسطينية المحتلة بالنسبة لمصر, بل ان عمرو موسى لم يتحمل تصريحات باول ورد عليها بوضوح لا يقبل اللبس, معلناً رفض مصر لسياسة أمريكا تجاه العراق. لكن رغم تباين المواقف والأولويات, بقي الهدف الرئيسي للإدارة الأمريكية الجديدة الملف العراقي الساخن, بما في ذلك خيار الإبقاء على الحصار المزدوج, و تطوير آليات الحصار بحيث يتطور الأمر إلى ما سمي بالعقوبات الذكية ليصبح بسوية القنابل الذكية, أي لبدء جولة صراعية جديدة مع الشخصيات السياسية والعسكرية والأمنية العراقية, لنشهد نوعاً مختلفاً من الصراع هذه المرة, من خلال استخدام آخر ما توصلت له تكنولوجيا التجسس والملاحقة للقيادات العراقية بما في ذلك شخص الرئيس العراقي. خاصة بعد أن بدأت تتداعى العقوبات الحالية المفروضة على العراق وشعبه أمام الرفض الدولي الواسع, ومحاولة شرعنة نوع آخر كما أسلفنا القول من الحصارات الذكية ببعدها الأمني والسياسي, بما يخدم ترميم التصدع الحاصل عالمياً من خلال سياسة فرض الأمر الواقع كما يمارسه الجمهوريون عادة, وبعد أن أفلست السياسة الأمريكية السابقة التي كانت موجهة ضد العراق, والتي انتقدها الرئيس بوش الابن وطاقمه الحكومي واتهامه إياها بأنها سياسة تفتقد إلى الصلابة الكافية إزاء العراق. وعلى ما يبدو أن السياسة الأمريكية ماضية في توجهاتها الجديدة إزاء العراق رغم معرفتها وتلمسها للكثير من الصعوبات في إقناع الجانب العربي بسياستها, ورغم معرفتها بأن الغارات الجوية الأمريكية البريطانية بالقرب من بغداد وبعض أحيائها جعلت مهمة وزير الخارجية الأمريكية صعبة للغاية. انطلاقاً من ذلك ستبدأ الإدارة الأمريكية الجديدة في البحث الجاد عن مخارج لمخططاتها المعدة سلفاً إزاء العراق, وهذا سيكون حتما بلفت الأنظار إلى الأراضي المحتلة ,خاصة بعد أن توصلت كل الأطراف الإقليمية والمحلية بما في ذلك الإدارة الأمريكية الجديدة, إلى قناعة شبه كاملة بالصعوبة القصوى في استخدام الخيارات العسكرية لوقف الانتفاضة, وبعد فقدان نجاعة الخطط العسكرية المحكمة التي حاول استخدامها باراك قبل شارون لكنه فشل في ذلك, بل كانت السبب المباشر في سقوط حكومته. انطلاقاً من ذلك, وعلى ما يبدو, ستعمل الإدارة على ترميم طاولة التفاوض الإسرائيلية الفلسطينية, من خلال رؤية أمنية كما جاءت تصريحاته المتكررة في العواصم التي زارها وزير الخارجية كولن باول, بالترافق مع اتفاقيات انتقالية جزئية, علها تخفف من وهج الانتفاضة المستعرة, علها تعطي حكومة شارون دفعاً إضافياً, من جهة. أما من الجهة الثانية ستكون هذه الخطوات على جبهة التسوية الإسرائيلية الفلسطينية, محاولة جادة لشرعنة الاعتداءات ضد العراق, وبعض العمليات الخاطفة التي تنوي اسرائيل القيام بها في لبنان, بهدف النيل من البنية التحتية لحزب الله اللبناني. وبما يؤمن فرصة إضافية لاستكشاف وسائل جديدة أخرى, بعد أن عجزت كل الوسائل السابقة, والتكيف مع المتغيرات على مستوى البيئة الإقليمية بالنسبة للعراق. ولعل الخطوة الأقرب لتوجهات الإدارة الأمريكية أو المباشرة إذا شئت, تتمثل في الشروع برفع الحصار عن المناطق المحتلة بشكل تدريجي, بما في ذلك رفع القيود المفروضة على العمال الفلسطينيين جزئياً كخطوة أولى, وحث العديد من الدول المانحة بما في ذلك التبرعات التي جمعت من بعض الدول العربية, والتي ما تزال تجد صعوبة في إيصالها إلى مستحقيها ,لتكون مقدمة لتخفيف حدة الانتفاضة, والعودة إلى التنسيق الأمني الذي أصبح قيد المنتهى. ليبدأ بعد ذلك بجولات ماراثونية تؤسس إلى مؤتمر مدريد ثان, مسقف بسقف اتفاقيات انتقالية, ومن ثم تكون قد أرضت كل الأطراف, رغم أن هذا الإرضاء سيجد الكثير من الانتقادات, باعتباره سيكشف الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل, والعودة مجدداً لما يسمى بسياسة الكيل بمكيالين. لكن إذا كان هذا ما عبرت عنه جولة كولن باول إلى المنطقة حقيقة, هل ستقبل الأطراف العربية وبعض الإقليمية على اختلاف سياساتها, القبول بتسويات انتقالية على المسار الفلسطيني؟ وهل سترضى العودة إلى اصطفاف جديد ضد العراق, بعد أن افتقد كل الذرائع التي أسست لتحالف بداية التسعينيات من القرن الماضي؟ ثمة أسئلة ملحقة كثيرة ستجيب عليها الخطوات السياسية القادمة بكل وضوح من قبل كل الأطراف العربية والإقليمية والدولية, لكن رغم ذلك علينا أن لا نفاجأ كثيراً إذا ما شهدنا متغيرات مذهلة, أقلها جمع العراق على طاولة مستديرة مع الكثير من الدول التي ما تزال تحمل لها الضغينة والعداوة, عربياً وأوروبياً, وحتى أمريكياً, هذا إذا ما انطلقنا بتحليلاتنا بأن أي توتير على الأرض يهدف أولاً وأخيراً إلى إيجاد حلول سياسية. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق