بدأت إسبانيا في الثامن والعشرين من فبراير الماضي في تطبيق قانون جديد يحاول الحد من وصول الهجرة الاقتصادية غير الشرعية إليها, والتي ازدادت خلال السنوات العشر الأخيرة أصبحت تشكل إزعاجا كبيرا للحكومة المركزية في مدريد, التي تجد نفسها عاجزة عن تغطية تكاليف النفقات الباهظة التي يفرضها عليها محاولاتها وقف تلك الهجرة عبر مدينتي سبتة ومليلة, الواقعتين تحت السيطرة الإسبانية, والمتنازع عليها مع المغرب, وأيضا عبر الشواطئ الجنوبية الممتدة من المتوسط حتى الأطلنطي, التي تصل إليها يوميا القوارب المحملة بعشرات المغامرين بحياتهم لبلوغ شاطئ الرفاهية الأوروبي, بعد عبور مضيق جبل طارق, الذي يحصل على نصيبه من هؤلاء المهاجرين, من خلال الغرقى الذين يفقدون حياتهم في المحاولة ويبلغون الشاطئ جثثا طافية على سطحه. يبدأ التطبيق لهذا القانون, على الرغم من مظاهرات الاحتجاج التي يقوم بها المهاجرون غير الشرعيين في العديد من المدن الإسبانية ضد هذا القانون, بدعم من النقابات والأحزاب الوطنية المعارضة, بل ورجال الدين, لكن الحكومة الإسبانية بدأت تجد أصواتا داعمة لها بين المسئولين في الحكومات الأوروبية الأخرى, مثل توني بلير رئيس وزراء بريطانيا, الذي يطالب بإقامة ستار حديدي جديد بين أوروبا ودول البلقان, وأوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية (!). بما أن القانون الإسباني الجديد يركز في الأساس على منع الهجرة من شمال أفريقيا, ومختلف بلاد آمريكا اللاتينية إليها, من المفيد إلقاء نظرة على الأوضاع في تلك البلاد, التي كانت حتى عقود قريبة مستقبلة لتلك الهجرة, وتحولت منذ السبعينيات من القرن العشرين إلى دول طاردة. بالعودة إلى الوثائق التاريخية, نجد انه في الفترة من عام 1821 إلى 1932 كانت أمريكا اللاتينية, وبشكل خاص الأرجنتين, من الدول التي احتضنت الهجرات الاقتصادية الأوروبية الأولى, التي كان يهجرها أهلها بحثا عن مصدر أوفر للرزق بعد أن ضاقت بهم السبل في قارة كانت تعيش أزمة اقتصادية خانقة, فقد هاجر إلى أمريكا اللاتينية خلال تلك الفترة ما يزيد على 12 مليونا أوروبيا, ما يقرب من نصفهم استقروا في الأرجنتين. لكن بتحسن الأوضاع الاقتصادية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية, لم يعد من هؤلاء المهاجرين إلا القليل, ومعظمهم ممن كونوا ثروات كبيرة خلال سنوات الهجرة, وعادوا بها إلى الوطن الأم لاستثمارها في إقامة مشاريع اقتصادية تعتمد على الأموال التي كسبوها في تلك البلاد, وربما كانت هذه البداية التي أدت إلى انهيار الاقتصاد في دول أمريكا اللاتينية بهروب أموالها إلى أوروبا مع المهاجرين العائدين إلى بلادهم, إضافة إلي أسباب أخرى بالطبع. من تلك الأسباب الأخرى, الأحداث السياسية التي شهدتها معظم دول أمريكا اللاتينية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات, حيث كانت الانقلابات العسكرية هي السمة المشتركة بين تلك الدول, فبدأت أولا الهجرة العكسية إلى أوروبا, ولكنها كانت هجرة سياسية, أي قاصرة على أولئك الذين كانوا مهددين جسديا ونفسيا بسبب تولي العسكر للسلطة وممارستهم العنف ضد معارضيهم, إلى حد التصفية الجسدية. مع نهايات الثمانينيات بدأت ممارسات تلك الحكومات العسكرية الدموية تنعكس على الاقتصاد, وبدأ الانهيار نتيجة هروب مزيد من رؤوس الأموال نتيجة الخوف الذي كان العسكر يشكلونه على الاستثمارات المالية, وانتشار الفساد, فالأموال لا تستطيع أن تنمو وتتكاثر ما لم يكن هناك استقرار سياسي, والحكومات العسكرية لم تكن قادرة على خلق هذا الاستقرار, لأنها كانت حكومات انقلابية, تصعد إلى السلطة بانقلاب, وتظل فيها بالعنف, إلى أن يطيح بها انقلاب آخر. هروبا من الوضع الاقتصادي المتردي, بدأ المواطن العادي يبحث عن لقمة خبز في خارج الوطن, سواء كان ذلك من خلال عبور الحدود من بلاده الفقيرة غير المستقرة, إلى بلاد أخرى اقل فقرا واكثر استقرارا, فكانت فنزويلا ملجأ للهاربين من فقر كولومبيا, لأن فنزويلا بدأت في السبعينيات تعيش فترة ازدهار اقتصادي, خاصة بعد الطفرة البترولية, أو شمالا إلى الولايات المتحدة الأمريكية, التي كانت ملجأ للمكسيكيين, الذين كانوا يعبرون نهر (برافو) الفاصل بين الدولتين, والفاصل بين عالمين في الوقت نفسه, بين الشمال الثري والجنوب الفقير, وربما كانت تسمية (ذوي الظهور المبتلة) نابعة من هؤلاء المهاجرين الذين كانوا يعبرون النهر سباحة بحثا عن الفردوس الشمالي. لكن الهجرة إلى الولايات المتحدة كان دونها الموت في كثير من الاحيان, حيث شكل المزارعون الأمريكيون فرقا لمطاردة هؤلاء المهاجرين حتى الموت, وهناك قصص عديدة للموت المرعب الذي كان ينتظر من يسقط من هؤلاء المهاجرين بين أيدي فرق الموت, التي كان يشكلها المزارعون, والذين ينتمي معظمهم إلى جماعات (الكو كلوكس كلان) العنصرية, التي كانت تطبق على أنشطتها اسم (صيد البنيين) أي (صيد الملونين). وبعد فشل هذه الممارسات العنصرية والدموية في وقف الهجرة الاقتصادية غير الشرعية عبر الحدود الأمريكية مع المكسيك, تم إقامة حاجز حدودي معدني, يفصل الولايات المتحدة عن المكسيك, بارتفاع ثلاثة أمتار, وبطول يزيد على 22 كيلومتر, ومن غرائب القدر أن يكون الحاجز مصنوعا من ألواح معدنية كانت تستخدمها الطائرات الأمريكية كممرات للهبوط في المناطق البعيدة عن القواعد العسكرية أثناء (عاصفة الصحراء) في حرب الكويت, التي من المفترض أن أهم مبادئها المعلنة (الحرية). التضييق على الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية, وزيادة معدلات الفقر في معظم دول أمريكا اللاتينية دفع بشعوبها إلى الهجرة إلى أوروبا, مستغلين في ذلك الحق في العودة إلى جنسيات الأجداد, كالجنسيات الإسبانية والإيطالية والبرتغالية, التي ينتمي إليها معظم سكان الأرجنتين والتشيلي والبرازيل, أو استغلال القوانين التي تسمح لهم بدخول تلك البلاد دون الحصول على تأشيرة مسبقة, ثم الانتقال منها إلى دول أوروبية أخرى, من تلك التي تطبق اتفاقية (التأشيرة الموحدة). ولترجمة هذا الوضع بالأرقام, نجد أن إحصائيات الأمم المتحدة تشير إلى أن الهجرة من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا كانت عام 1965 تصل إلى حوالي ستة ملايين مهاجر, ارتفعت عام 1990 لتصل إلى ما يقرب من سبعة ملايين ونصف المليون, وطبقا للإحصائيات الأولية التي أجرتها المنظمة الدولية عام 2000 يمكن تقدير تلك الهجرة بعشرة ملايين مهاجر, ويمكن لهذا الرقم أن يتضاعف لو تم حساب من هاجروا إلى العديد من الدول الأوروبية بجوازات السفر التي استعادوا بها جنسيات أجدادهم, للهروب من جحيم الفقر في أمريكا اللاتينية. على الرغم من قانون الهجرة الإسباني, وغيره من القوانين, أو الحواجز التي يطالب بها توني بلير, فانه يبدو أن هذه الهجرة لن تتوقف, بل يرى المراقبون أنها ستتفاقم على المدى القريب, يساعدها في هذا مبدآن أساسيان. أولهما: أن سوق العمالة الأوروبية في حاجة إلى الأيدي العاملة, ولكنها تفرق ما بين مهاجر وآخر طبقا لاحتياجاتها الفعلية, فان أوروبا تحتاج, حسب تصريحات رئيس المفوضية الأوروبية (رومانو برودي), إلى مليون ونصف المليون من المهاجرين, ولكن معظم هؤلاء يجب أن يكونوا أحد اثنين, إما من العقول المدربة, وبشكل خاص في مجال استخدام الإلكترونيات, أو من الأيدي العاملة غير المدربة للعمل في المجالات الدنيئة, التي يرفض الأوروبيون القيام بها, وما بينهما لا تحتاجه أوروبا, بل وتطارده حتى الموت. الأمر الثاني: أن الدول المصدرة للهجرة لن تتعاون مع الدول المستقبلة لتطبيق القوانين التي تحد من تلك الهجرة, وذلك لسبب بسيط للغاية, وهو أن الهجرة أصبحت مصدرا للعملات الصعبة لتلك الدول, ولا يمكن لها الاستغناء عنها, أو تخفيضها بأي حال من الأحوال, بل تفتح لها الأبواب وتشجعها. نجد مثلا أن دولة مثل المكسيك يبلغ دخل مهاجريها في الولايات المتحدة وأوروبا ما يزيد على ستة بلايين دولار, والإكوادور التي لا يزيد عدد سكانها على 12 مليون نسمة, يبلغ دخل مهاجريها حوالي بليون ومائتي مليون دولار سنويا, وهو ما يزيد على نصف دخلها من البترول, وهكذا دول أخرى مثل كوبا والأرجنتين والبرازيل والأوروجواي أو التشيلي. ما بين هذين المبدأين المتناقضين تقف الهجرة أمام السياسية كجزء من مشكلة مهمة, بل وخطيرة, حيث تدخل في أولويات الاستراتيجية العسكرية للعديد من دول العالم, وعلى رأسها الولايات المتحدة, التي يصل عدد سكانها غير المولودين فيها حوالي 10 بالمائة من مجموع السكان, ومع ذلك تعتبر الهجرة خطرا لا يقل عن خطر ما تسميه بالإرهاب, أو الخطر النووي, أو الجريمة المنظمة, هذا يعني ان الشمال يجد في الهجرة خطرا جنوبيا, أي أن (الهجرة غير الشرعية), أي تلك التي لا يسمح بها الشمال المتقدم أصبحت بمثابة سلاح جنوبي جديد يجب مواجهته (؟!). كاتب مصري مقيم في إسبانيا