(مديح لمقهى آخر) عنوان لديوان شعر كتبه الشاعر الفلسطيني أمجد ناصر, وحسب ما قرأت في كتابه (سيرة المقاهي والرحيل) فإن أمجد قد كتب الديوان بأكمله على طاولات المقاهي التي كان يتردد عليها. ويبدو أن هناك علاقة خاصة بين الكاتب سواء كان شاعراً او روائياً او صحفياً وبين المقهى, بدليل ما عرف من ارتباط بين شعراء وكتاب مشهورين وبين مقاهِ اشتهروا بها واشتهرت بهم. وعندما تصفحت كتاب (عروة الزمان الباهي) للروائي (عبدالرحمن منيف) وجدته يمعن في توثيق العلاقة الخاصة جداً التي ازدهرت طوال ربع قرن بين بطل الكتاب (الباهي) وبين مقاهي باريس, حتى صار يعرفها مقهى مقهى, ويعرف على وجه الدقة ايها يقدم المشروبات وايها يقدم الوجبات فقط, وقائمة طعام كل مقهى, ومواعيد فتح المقهى واغلاقه, ونوعية الزبائن الذين كانوا يترددون على كل مقاهي باريس. وباريس في الحقيقة مدينة الفن والمتاحف والثقافة والمعارض والجامعات والغرباء والهجرة والمهاجرين... المقاهي, فما من زقاق ضيق او حارة مظلمة, او شارع باتساع عشرة شوارع في مدن العالم الفقير, او حي فقير او آخر راق, الا والمقهى احد ابرز معالمه الواضحة, ولا يفرغ المقهى في باريس ابداً حتى انك قد تجلس على احد مقاهي شارع (الشانزلزيه) الشهير لاحتساء الشاي او تناول المثلجات, فتلمح الناس واقفة على جوانب المقهى تفتش بعيونها عن مكان فارغ لا تجد, وفجأة يفاجئك (النادل) او الجرسون بطلب المغادرة اذا كنت قد أنهيت شرب قهوتك فهناك زبائن في الانتظار!! لماذا يعشق الناس الجلوس في المقاهي؟ لماذا يفضلون عقد لقاءاتهم الحميمة وغير الحميمة على أرضية المقهى المفتوح على فضاء الشارع واتساع الحدقات والابتسامات وضجيج الاصوات والصراخ ووقع الاقدام المتسارعة؟ لا أحد يدري على وجه التحديد السبب, لكن الذي يعرفه الجميع ان المقهى صار طقساً حميماً ومعتاداً يلجأ اليه الناس في ايامنا هذه للهروب من رتابة البيت, ومشقة اللقاءات بين الجدران, واحياناً لضيق المنزل وعدم وجود مكان خاص لعقد جلسات تضج بالضحك والاسرار, عندها يصبح المقهى بديلاً! في أحد المقاهي جلست احدى الصديقات تحتسي قهوتها كالمعتاد, بجوارها كانت سيدة لبنانية تقرأ جريدة (الحياة) اللندنية وتجادل زوجها حول زاوية جهاد الخازن وبصوت عال, وعلى طاولة اخرى جلست مجموعة بدا من بينها واضحاً صوت احدى السيدات وهي تساوم احدهم على أوراق يبدو انها تحمل اسراراً خطيرة, وكانت المساومة على مبلغ من المال! وعلى طاولة اخرى جلس رجل بوقار سنينه الستين يستعرض كتاباً حديث الصدور حول (ايران من الداخل) لكاتب بريطاني! ولا ادري لماذا الاجانب فقط هم الذين يعرفون كل اسرار مجتمعاتنا الشرقية من الداخل؟! ومجموعة من رجال الاعمال (يبدو ذلك من سيارات المرسيدس التي نزلوا منها) يتحدثون حول الاسهم وسوق العقارات ولكن بصوت فيه شيء من الأسى! وهكذا يبدو عالم المقهى, مليئاً بالبشر, وبالأسرار, والدلالات كما يبقى للبعض من الناس اعتياداً جميلاً يجدون فيه شيئاً من الراحة والهدوء.