لا أعرف كيف أترجم هذه الكلمة (Cable) التى تدل فى الأصل ذا سلك أو سلسلة معدنية, وهى الآن لا تتصل بذلك كله اتصالا مباشرا, وانما تدخل على التوصيلات التى تصل أجهزة الاتصالات بعضها بالبعض, سواء على المستوى الدولى الذى يعبر القارات عبر المحيطات, حيث الكابلات البحرية للاتصالات, أو عبر المستويات غير الدولية, عبر خيوط أو خطوط الاتصالات المختلفة التى تجاوزت أجهزة التلفون الى أجهزة الكمبيوتر وغيرها من الأجهزة الأحدث, أو حتى الأجهزة الموازية مثل التلفزيون, وقد دخلت عالم الأستاذ (كابل) هذا منذ أن دخلت (الشقة) التى اقيم فيها حاليا فى احد الشوارع الهادئة لمدينة كيمبردج الأمريكية, وشرح المسئول عن المبنى اجزاء الشقة, واشار لي على أكثر من (فيشة) فى أسفل الحائط, وقال لي أن (الفيش) السفلى للتلفزيون, والعليا لأجهزة الكمبيوتر, ويمكن لك بالطبع أن تستخدم السفلى الاضافية لـ (كابل) التلفزيون اذا احتجت اليه, ولم تكتف بالقنوات الموجودة على الجهاز الموجود ضمن أثاث الشقة المفروشة. وبعد عدة أيام من الاقامة, مللت من القنوات المحلية مع أنى لا أشاهدها الا فى وقت محدود, فالاعلانات تتخلل كل شئ, وما أسخف ما تنقطع مشاهد قصة مؤثرة ليرى المشاهد اعلانا, وتخيل حالك وأنت تراقب البطل يقبل البطلة بعد أن عاد اليها من سفر طويل, وقبل أن تنتهى القبلة لا يتدخل الرقيب كما يحدث فى بلادنا, وإنما يتدخل الاعلان عن منظف صناعى مرة, وعن سيارة مرة ثانية, أو عن مأكولات للحيوانات الأليفة مرة ثالثة. وتصور حالك وأنت فى مشهد من مشاهد الذروة العنيفة, ويضيع كل شئ فجأة لترى رجلا (غلسا) غليظ الصوت بارد النبرة يحدثك عن بهجة (المرتبة) الفلانية ومايمكن أن تسببه لك من نوم هانئ دون ازعاج, أو تصور حالك وأنت فى ذروة مشهد من مشاهد العبادة, فى كنيسة أو مسجد, ودموع البطلة الجميلة العينين عليها وتدفعك الى التعاطف معها, وفجأة يظهر فتى مفتول العضلات, يتقافز حول المرتفعات, ضاحكا كالقرد, وهو يعلن لك عن فائدة هذه الآلة التى استخدمها لتقوى عضلاته, وينتقل المشهد من المرتفعات الى الآلة الرياضية , وتجد الفتى نفسه محاطا بنساء عضلاتهن أبرز مافيهن, فتضيع منك عاطفة العيون الجميلة الرقيقة التى لم تجد من الاعلان السخيف فرصة للامتداد. وشكوت لبعض أصدقائي, فقالوا لى عليك بشركة (كذا) للكابل التلفزيونى, اذ يمكن عن طريقها أن تشاهد ماتريد من الأفلام أو المسلسلات دون اعلانات, وبالفعل, اتصلت عن طريقها بالشركة التى أسموها لى وسمعت صوتا رقيقا يرحب بى, ويزداد ترحيبا عندما رحبت صاحبة الصوت برغبتى فى الاشتراك. وسألتنى أى نوع من القنوات أحب أن أشاهد؟ ولم أفهم السؤال فطلبت منها التوضيح, فاكتشفت انها تسألنى عن نوع المواد التى أفضل مشاهدتها. وعندما سألتها عما عندهم, وجدتها تحدثنى عن قناة خاصة لأفلام الحب, وأخرى للمغامرات, وأخرى للأفلام المأخوذة عن أحداث حقيقية, ورابعة لأفلام الغرب الأمريكى (الكاوبوى) وخامسة لأفلام الخيال العلمى, وسادسة للأطفال, وسابعة للكهول, وثامنة للأفلام التاريخية, وقبل أن تمضى الى مابدا لى بلا نهاية. قلت لها هل سأدفع كثيرا لو طلبت مشاهدة كل شئ. قالت: لا, حوالى مائة دولار أو أكثر قليلا, وسنعطيك الجهاز (الريكودر) مجانا دون رسوم. قلت: لا بأس أوافق, فأجابني الصوت, سيصلك مندوب من الشركة فى التاسعة من صباح الغد, ويقوم بإتمام التوصيلات اللازمة, ولم تتركنى الا بعد أن أخذت العنوان, ورقم بطاقتى المالية. وجاءنى فى الصباح فتى مهذب فى عمر ابنى, لكنه لا يزال طالبا فى جامعة رخيصة الرسوم, غير بعيدة عن هارفارد التى يتكلف فيها الطالب حوالى أربعين ألف دولار فى العام الدراسى , وذلك رقم لا يقدر عليه الا الأثرياء وحدهم. ولذلك, دخل هذا الطالب الى جامعة متواضعة, مقدور عليها ماليا, ويمكن لعمله الذى يقوم به الى جانب الدراسة أن يسدد نفقاتها. وفى دقائق كان الشاب أكمل عمله, تولى توصيل جهاز (الريكودر) بالتلفزيون, توصيل الجهاز الى (الفيشة) المخصصة للكابل. وأخبرنى عن الكيفية التى استخدم بها (الريموت كونترول) الجديد الذى قدمه الى. وبالطبع أخذ وقتا طويلا حتى أعلنت له اننى فهمت, فقد رأيت العملية معقدة بعض الشئ, لكن الشاب صبر علي حتى تأكد اننى تعلمت تشغيل كل شئ. وجلست وحدى أتعرف على القنوات التى ينقلها هذا الكابل, وأتطلع اليه والى الدليل الذى قدمه الشاب الي, وقلت لنفسى. واغوثاه أكثر من مائتى قناة, من الذى عنده وقت ليشاهد ذلك كله. وكعادتى فى الاستغراق فى الاشياء الجديدة, جلست أتعرف على القنوات العديدة كأننى أليس فى بلاد العجائب, لكنها بلاد عجائب عصرية, مجموعة قنوات متخصصة فى قصص الحب, وعشرات غيرها فى شتى الموضوعات, ودون اعلانات, وأنت وما تريد أيها المشاهد, لمدة أربع وعشرين ساعة دون انقطاع. أما قنوات الأخبار والمعلومات فشئ مبهر بالفعل. قنوات للأحداث التاريخية الكبرى ولسير الشخصيات المؤثرة فى التاريخ البشرى. قنوات عن الاعلام فى كل مجال, ناهيك عن الفنون المختلفة. واذا أردت أيها المشاهد (الهلس) فما أكثر, أما إذا أردت الجد فهو موجود, وعلى قفا من يشيل. المهم أن تحدد أنت ماتريد, وطوال الوقت الذى تستطيع احتماله. وقادتنى عقد المثقفين الى قنوات المعلومات والمعرفة. شاهدت مثلا حلقات بديعة عن تاريخ موسيقى الجاز, وحلقات أخرى عن تطور السينما وعلاقتها بالفنون, وشاهدت أكثر من فيلم عن شخصيات عالمية, وأكثر من فيلم تسجيلى عن الأحداث الكبرى فى أوروبا, ولم يفتنى مشاهدة مارأيت عن التاريخ الامريكى. وكنت اذا مللت من مشاهدة قنوات المعلومات والمعارف والأخبار, أعود الى قنوات الأفلام الروائية, وأتوجه بوجه خاص الى أفلام الحب. هل هذا حنين الى الشباب الذى أخذ يغرب إن لم يكن قد غرب بالفعل؟ هل هى رغبة فى الائتناس بمشاعر الحب التى يراها الإنسان فيقاوم الإحساس بالوحدة, خصوصا حين يكون مغتربا اغترابا يطول بعض الشئ, بعيدا عن الاهل والولد؟ لا أعرف الاجابة على وجه التحديد, ولكننى وجدت متعة خاصة فى المقارنة بين أفلام الحب المختلفة, عبر عصور السينما المتعددة, وعبر مدارسها الفنية المتباينة, وعبر جنسياتها المتنوعة واكتشفت طرائف دالة تستحق المتابعة والكتابة. ويبدو أن حرفة الناقد لا تتركنى حتى وأنا أشاهد أفلام الحب, ورغم انى أقاوم هذه الحرفة, وأحاول نسيان ماتفرضه من تحليلات عقلانية باردة, وأترك نفسى مستسلما لموجات مشاعر الحب, الرقيقة أو العاصفة, البسيطة أو المعقدة, الا أننى اكتشف وسط استغراقى فيما أنا فيه بالملكات العقلية للناقد تغزو وعيى, وتفرض نفسها على انتباهى, فأندفع الى تحليل ما أرى, وألاحظ مثلا الميل الى تعقيد قصص الحب المعاصرة بالقياس الى قصصه القديمة, ودخول مخترعات العالم الحديث وسيطا للحب. فى الروايات القديمة, كان الحب يتم بين المتباعدين بوساطة الرسائل, وكانت الناس تشترى كتبا بعنوان رسائل المحبين لهذا السبب, الآن, يمكن أن تشاهد قصة حب جميلة بين توم هانكس وممثلة نسيت اسمها, تتم بواسطة البريد الالكترونى (E.mail) , فتجلس الفتاة العصرية, وتتحاور مع صديق لم تره, ولكنها ترى كلماته على شاشة الكمبيوتر الذى تحمله معها فى كل مكان. أليس ذلك شيئا أكثر حداثة مما أراد نزار قباني أن يجعلنا نتعجب منه عندما كتب قصيدة طريفة بعنوان (الحب بواسطة الفاكس). تجاوز العصر الذى نعيشه, إذن عهد (الحب فى زمن الكوليرا) ودخل عهد الحب فى زمن الأقمار الصناعية, حيث اختفت الحواجز التقليدية للمسافة, وتغيرت مفاهيم الزمن والمكان. وسرعان ما اكتشفت اننى أجلس بالساعات الطويلة, أتقلب بين القنوات والقنوات, حريصا على معرفة كل شئ, ومشاهدة كل شيء, لكن يامولانا هذا أمر يحتاج الى تفرغ, وليس عندك وقت كثير تضيعه. هذا ماهمس به فى أذنى الداخلية الأنا الأعلى الذى انطوى عليه, واستمع الى نصائحه, فوجدتنى اكتشف بالفعل أن هذا (الكابل) اللعين, سوف يلتهم كل وقتى. والعمل؟! غدا, أطلب الشركة مرة أخرى, وسأقول لهم اننى سأكتفى بالاشتراك عندهم هذا الشهر فقط, فهناك أشياء أخرى كثيرة لابد من الاهتمام بها, وأنا لا استطيع التحكم فى وقتى ماظل هذا (الكابل) المغوى موجودا فى بيتى أليس كذلك؟!