مرت أيام عيد الأضحى المبارك مرور السحاب, كعادة كل الأيام السعيدة, تفلت لحظاتها بأسرع مما نتخيل, وتبقى ذكراها حاضرة في الوجدان, يستلهم من نفحاتها كلما تكاثرت عليه الهموم, ففي عيدنا متع وعبر نعجز عن الالمام بها, وتتجدد على مر السنين, متع من النوع الذي لا يفنى, ويتبدل الى كدر فور الانتهاء منها, لانها متع تستوطن الروح وتخاطب عيون القلب والعقل, ولا تقتصر على امتاع الحواس والجسد, وهي موصولة بيقين راسخ وايمان بالخالق ووحدانيته, وتستهدف اظهار الطاعة التامة له, وتتجلى فيها معاني الفداء والتضحية بالذات من اجل ما هو اسمى وأعلى, وبالتضحية بالذات يكتب للعمران الانساني ان يدوم ويستمر ايقاعه, لأن الانانية قطع لتيار المجتمع والاسرة الانسانية, وانقطاع عن التاريخ, ونبذ للتواصل الذي به يتميز الانسان كمخلوق عاقل يفكر ويشعر ويتجاوز كل حدود الجسد ويقهر حتمية المادة. واول مظاهر الاحتفال بعيدنا هو النحر.. نحر الذبائح والاضاحي, من ابل وبقر وخراف وكباش, لا لاشباع شهوة أكل لحومها, بل للتقرب بها للخالق والتصدق بها على المحتاج وغير القادر حتى من غير أهل الاسلام, كما اجمع الفقهاء, ولاستحضار قصة فداء سيدنا ابراهيم أبي الانبياء لابنه الطائع له والخاضع لله سبحانه سيدنا اسماعيل. على ان نحر الأضاحي كأحد شعائر عيدنا لم ترق لبعض الجهات والشخصيات من نجوم الاعلام الغربي, الذين فرض علينا الدوران في فلك نجوميتهم المصنوعة والزائفة احيانا, بفعل وقوعنا رغما عنا في دائرة التلقي والتبعية والتي لن تنتهي الا بانتقالنا من موقعنا الذيلي الحالي الى موقع الندبة والصدارة. وتسابق نجوم الغرب وجمعياته المعنية بحقوق الحيوان لا الإنسان, الى اطلاق صيحات التحذير ونداءات الاستغاثة لإنقاذ الخراف والماعز من وحشية المسلمين, ونظموا حملات ضخمة للتنديد بنحر الذبائح في يوم عيد الاضحى, واعتلت نجمة سينمائية فرنسية المسرح وهي لم يهتز جفنها ابدا لمشاهد دماء البشر والضحايا الأبرياء في فلسطين ولبنان وحتى في كشمير او اي بقعة من بقاع العالم المغلوب على امره, وبدلا من استعادة بريقها الاعلامي بالتحدث عن حقوق الانسان, راحت تندد بانتهاك حقوق الخراف, ونسيت ان شعبها الفرنسي واوروبا عموما من مدمني أكل اللحوم, ومشهود لهم بالذوق الرفيع في انتقاء اشهى الاطباق, حيث لا تخلو مائدة من طبق لحم بارد او مدخن. حتى الفرنسيين الذين تظاهروا ضد نحر الاضاحي وتوسعت وكالات الانباء في بث صورهم واخبارهم, بدوا كصورة كاريكاتورية مفعمة بالسخرية اللاذعة من النفاق الاوروبي, الذي يغمض عينيه عن مئات الملايين من الجوعى الذين لا يجدون لقمة خبز يقتاتون بها, في حين يتكدس لحم البقر الاوروبي في المخازن ويتم التخلص منه كنفايات خوفا من مرض جنون البقر!. ولأن الغرب كما هو واضح لنا يتحكم في فضاء الاعلام العالمي, وتتحول كلماته الى سلطة تقهر قدرة الكثيرين على التفكير, يصبح التعاطف مع المدافعين (نفاقا) عن حرية وحق الخراف في الحياة امر غير مستبعد, وكأن الخراف وجدت وخلقت لتغيير وجه العالم وعمرانه وارتكبنا نحن المسلمون خطيئة بنحرها في عيدنا, حتى لو كان اغلبنا يذوق لحمها نادرا, اما الاوروبيون فلهم الحق في التهامها وحتى في أكل لحوم البشر... ومع ذلك لايجد طفل تخترق رصاصة مطاطية جسده في شوارع القدس من يدافع عن حقه.. وبعد ذلك نتحدث عن موضوعية الاعلام العالمي, ولا نكف عن جلد ذواتنا وكأننا اصبحنا متهمين دائما..!