حينما تتأخر ترقية موظف كثيراً وينهش اليأس صدره قد يتوجه ذات يوم الى مكتب المدير ليشكو وقد يذرف دموعاً حقيقية, لكن حينما يدخل موظف على مدير ليكيد لموظف آخر فإنه يذرف دموع التماسيح.. ودموع التماسيح هذه واحدة من الابتكارات والحيل التي ابتدعها الانسان في طريقه للبحث عن وسائل وطرائق توصله الى غاياته غير المشروعة. اما علماء جامعة اوكسفورد في بريطانيا فقد طالعونا بالأمس بخبرهم عن تسجيل براءة اختراع لما اسموه بالدموع الصناعية لانقاذ اولئك الذين يبكون او يتباكون ولا يذرفون الا الهواء بدلاً من الماء. الآن ومع هذا الابتكار صار بامكان احدنا ان يبكي دون ان يبكي وان يذرف الدمع امام مديره او نظامه أو جلاده او زوجته في نهاية المطاف فيما لو احتاج لذلك ودون ان يبكي, يعني ان دموعه تنهمر من عينيه المحمرتين دون ان ينفطر له قلب او دون حزن وهذه المزية يحتاجها الدجالون والظالمون والوحوش من البشر من الذين يعتاشون على قهر من حولهم ضيما وعدواناً ويحتاجها اللصوص والمجرمون وخونة الاوطان حينما يتعرضون ليد العدالة والقانون لانهم في الحقيقة لن يذرفوا دمعاً صادقاً للتكفير عن سوءاتهم ولا دموع تماسيح بل دموع اصطناعية وبكبسة زر عند الضرورات. الا ان غير هؤلاء يحتاجون لدموع اصطناعية من تلك التي انتجها علماء اوكسفورد, وهذه الفئة هم فئة المقهورين والمعذبين والمغلوبين على امرهم والفئة المشردة من اوطانها والمأكولة حقوقها والمهانة كرامتها والمباحة للبطش والذل والهوان.. هذه الفئة تحتاج لدموع اصطناعية لأنها استنفدت دمعها البشري وهي تصرخ وتبكي وتندب مصيرها في عالم وحشي لا يرحم.. تلك الفئة التي ما فتئت تستصرخ العقول والقلوب والحواس.. ولا احد يعيرها بالاً.. امهات انطفأت عيونهن على فلذات اكبادهن وهن يودعنهم في النعوش الذاهبة والقادمة, اطفال يبكون دماً على قبر ابيهم الشهيد, عجوز غارت عيناها في دوائر الألم والحزن على تاريخ من العزة والكرامة.. ومن الامثال كثير.. بقدر ما في العالم من ظلم بقدر ما نحتاج دموعاً بالبراميل, وبقدر ما في وجه البشرية من شر بقدر ما نحتاج الى دمع يطهر الجراح.. اصنعوا المزيد من الصواريخ واصنعوا المزيد من الدمع والحزن والألم.