عندما يقول رئيس الوزراء الاسرائيلي المنتخب ارييل شارون ويكرر القول إن حكومته ليست على استعداد لاستئناف العملية التفاوضية مع الجانب الفلسطيني من النقطة التي انتهى اليها المسار التفاوضي في عهد سلفه ايهود باراك فإن المرجعية التفاوضية التي يعمدها شارون ليست بحال من الاحوال قرار الامم المتحدة 242 القائم على مبدأ (الأرض مقابل السلام). وعندما يرد ياسر عرفات على هذا الطرح الشاروني مشددا على ان يستأنف التفاوض من حيث انتهى في أيام باراك الأخيرة فكأنه يدير ظهره ضمنيا لمرجعية قرارات الأمم المتحدة. فماذا حصل في تلك الحلقة التفاوضية الأخيرة؟ نستعيد الى الذهن أولا ان تلك الحلقة التفاوضية التي عقدت في منتجع كامب ديفيد في الولايات المتحدة واستكملت في منتجع طابا المصري كان محورها ورقة عمل أعدها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون, وقد كان مثل شريكه الاسرائيلي باراك يعيش العد التنازلي الأخير لفترة حكمه, وبالتالي كان في عجلة من أمره. ورغم انه لم ينشر محضر كامل لما جرى في تفاصيل تفاوضية الا ان الوفد الفلسطيني بقيادة عرفات يحتفظ بسجل تفصيلي للوقائع (كما فعل الوفد الاسرائيلي). وبناء على وثيقة الوقائع الفلسطينية, التي نشرت الصحافة الغربية ملخصات لها, ان الرئيس كلينتون, المفترض ان يكون الراعي المحايد على المائدة التفاوضية وصف مدينة القدس في جلسة مبكرة بأنها (العاصمة الموحدة والخالدة لاسرائيل). ورغم المجادلات الحامية التي دارت حول مستقبل القدس بتفاصيلها المملة حول (السيادة الكاملة) و(السيادة الادارية) و(السيادة الدينية) وغيرها من المطبات والحيل اللفظية إلا أن باراك ظل في ختام العملية التفاوضية في طابا متمسكا بالسيادة الاسرائيلية الكاملة على القدس. وما يروج له السياسيون الاسرائيليون والأمريكيون على حد سواء من (تنازلات) ابداها باراك ينحصر في الحقيقة في منح الفلسطينيين (سيادة) ثانوية ادارية على احياء في المدينة وعلى الحرم القدسي مع احتفاظ اسرائيل في الوقت نفسه بالسيادة العليا الكاملة كما يعرفها القانون الدولي. أما فيما يتعلق بحق العودة للاجئين الفلسطينيين فإن باراك لم يكلف نفسه حتى عناء التظاهر بالمرونة. فقد كان رفضه لحق العودة صريحا وقاطعا حيث اعتبر اي تنازل في هذا الصدد بمثابة انتحار للدولة اليهودية. وعلى طول مسار العملية التفاوضية من أولها لآخرها كان باراك يتملص من الاعتراف بسيادة الدولة الفلسطينية المستقبلية مع الاصرار على وجود عسكري اسرائيلي وأمريكي مشترك داخل حدود تلك الدولة ومنعها من انشاء جيش أو ممارسة سيادة كاملة على أجوائها ومنافذها. ورغم ذلك لم يستشعر الرئيس كلينتون أي حرج أو حياء عندما توجه بالخطاب الى عرفات في كامب ديفيد قائلا له في وقاحة: (لقد قدم باراك تنازلا كبيرا. أما أنت فلم تقدم شيئاً). وإذا كان من العجيب أن ايهود باراك يعتبر تنازلاته الشكلية نقلة تفاوضية نوعية فإن الاعجب ان يتحدث عرفات عنها وكأنها تنازلات جوهرية حقيقية.. ومن ثم يطالب شارون الآن بالعودة اليها كمرجعية تفاوضية. إن الأجدر بالرئيس عرفات أن ينسى نهائيا (تنازلات) باراك وأن يرفض صراحة توجه شارون في اشتراطه على عرفات بأن استئناف العملية التفاوضية يجب ان يسبقه وضع نهاية للعنف الفلسطيني.. اي انهاء الانتفاضة. وانطلاقا من هذين الرفضين ينهض عرفات ليعلن انه لن يقبل اي استئناف للتفاوض الا على اساس مرجعية قرارات الامم المتحدة (الأرض مقابل السلام).. ولا شيء غير ذلك.