خرجت تركيا في عهد الرئيس السابق تورجوت اوزال عن كثير من ثوابت سياستها الخارجية منذ عهد أتاتورك, تمثل ذلك في تحركها نحو جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية والبلقان, ورعايتها للأقليات التركية, بجانب التحرك في اتجاه الخليج للتصدي للمد الإيراني. ووضع أوزال شعارا يسعى لوحدة الأمة التركية من الصين إلى المانيا, كما أيقظ المشاعر والتقاليد الإسلامية على نحو واسع.. تمثل ذلك في السماح بإقامة المدارس الإسلامية والتوسع في الحج وتطبيق الشعائر الإسلامية. أما فيما يتعلق بالمسألة الكردية فقد الغى اوزال في عام 1993 العديد من القوانين, التي كانت تمنع الأكراد من التعبير عن ثقافتهم المميزة وابراز هويتهم العرقية المتميزة مما ساهم في تخفيف حدة التوتر. وكان اوزال في ذلك يعبر عن تفاعل في أوساط المجتمع والنخبة, ولم يكن ذلك غريبا على الرئيس اوزال, فقد كان أول رئيس أناضولي يحكم تركيا. والأناضول أقليم داخلى في تركيا يزخر بالتقاليد الإسلامية والمثل العثمانية الراسخة, فضلا عن التعصب القومي. هل تساهم الشراكة مع إسرائيل في حل مشاكل تركيا المزمنة؟! إلا أن تركيا بعد رحيل أوزال تغيرت توجهاتها السياسية بالنظر للظروف الإقليمية والدولية التي سادت التسعينات, وابرزها سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق, وبذلك توارى الدور التركي في الناتو نسبيا, كما ظهرت عدة تحولات مهمة في البيئة الاقليمية المحيطة بتركيا خاصة في آسيا الوسطى التي بدأت جمهورياتها الإسلامية تبحث عن حلفاء لها بعيدا عن النفوذ الروسي, فكان التنافس التركي والإيراني على مواقع النفوذ في هذه الجمهوريات وفي البلقان حيث ترتب على تفكك يوغوسلافيا الاتحادية نشوب الحرب البوسنية, ومن بعدها حرب كوسوفو, وقد فشلت تركيا في أن يكون لها دور تحمي من خلاله المسلمين هناك وقد كان ذلك دورها عبر التاريخ, ولكن انحصر الجهد التركي في الحيلولة دون امتداد تأثيراتها إلى داخل تركيا. هذا إلى جانب نشوب حرب الخليج الثانية التي أعقبت العدوان العراقي على الكويت, وما أفرزته من تأثيرات على الساحة الإقليمية بالنظر للأهمية الاقتصادية التي يمثلها العراق بالنسبة لتركيا.. سواء فيما يتعلق بأنبوب النفط الذي يمر عبر أراضيها ويوفر لها 300 مليون دولار سنويا, بجانب حصولها على 60 % من احتياجاتها النفطية من العراق, وقد حرمت منهما تركيا بسبب العقوبات الدولية التي فرضت على العراق. هذا بالإضافة إلى نكسات أخرى منيت بها السياسة الخارجية التركية تمثلت في نجاح اليونان في عزل تركيا عن أوروبا من خلال سياسة أثينا البلقانية, كما لم تنجح تركيا في تمرير مشروعها الهادف إلى اقامة منطقة تعاون اقتصادي مع بلدان منطقة البحر الأسود, وتصاعد الهزائم التي واجهتها إذربيجان حليف تركيا في صراعها المسلح مع أرمينيا حول اقليم ناجورنو كاراباخ, وفشل تركيا في الحصول على امتيازات لها في نقل نفط بحر قزوين, إلى جانب فشلها في حل المشكلة القبرصية حيث لم يعترف بحكومة قبرص التركية التي يرأسها فاروق دنكتاش سوى دولتين هما تركيا وبنجلاديش. ناهيك عن تصاعد عمليات العنف التي مارسها حزب العمال الكردستاني المطالب بالانفصال عن تركيا, مما ترتب عليه توريط ثلث الجيش التركي في عملية ضد ميليشيا هذا الحزب في جنوب تركيا وشمال العراق بجانب 6 فرق تركية متواجدة في شمال قبرص بصفة دائمة وما واكب ذلك من استنزاف اقتصادي, الأمر الذي دفع تركيا إلى اتخاذ اجراءات غاية في العنف ضد كوادر هذا الحزب مما أثار في أوروبا قضية حقوق الإنسان في تركيا, خاصة وأنها واكبت أعمال عنف أخرى أرتدت لباسا أصوليا, رافقت تنامي الحركة الإسلامية داخل تركيا, وتغلغل أفكار وقوى هدامة وسط العلويين الاتراك, مما فجر صراعا بين القوى الإسلامية والقوى العلمانية في تركيا, حيث أصبح العلمانيون ينظرون إلى أية زيادة في الشعور والممارسات الدينية حتى وأن كانت حضور صلاة الجمعة أو ارتداء حجاب كدليل على المد الأصولي الذي يهدد النظام العلماني القائم, وما صاحب ذلك من اتهامات لايران بأنها وراء هذا المد الأصولي مما أساء للعلاقات بين البلدين. وأن كان الكثير من العلمانيين وتركيا يرون غير ذلك, وأن الخطر الحقيقي الذي يهدد تركيا يأتي من التحولات السلبية التي أصابت الحياة التركية. وأبرزها التخلف الاقتصادي والاجتماعي, وانتشار البطالة, والانجراف وراء تيار التحلل الأخلاقي القادم من أوروبا, واضمحلال الإيديولوجيا, وسقوط الاحزاب التقليدية, وبذلك أصبح الإسلام الأصولي هو البديل الوحيد أمام الشعب للتعبير عن معارضة للوضع الحالي الذي يعاني منه, , وهو الأمر الذي استغلته المنظمات والأحزاب المتطرفة, كما يحدث في الجزائر اليوم. ويرى البعض أن الاغراق في القومية التركية يمكن أن يدفع بعض الكماليين والتحديثيين إلى التعاطف مع الأصوليين, خاصة وأن القومية ليست غائبة عن المشروع الأصولي ومن العلمانيين في تركيا من يرى أن إيران وراء المد الأصولي في تركيا وتمرد الحركة العلوية لزيادة تورط تركيا في مشاكلها الداخلية حتى تنفرد إيران بالخليج وآسيا الوسطى, وهو تحليل لا يقوم على قاعدة راسخة لأن الحركة الأصولية في تركيا فسيفسائية. فقد تولى حزب الرفاة الإسلامي الحكم عام 1995 في ظروف التمرد العلوي والكردي, واتهام حزب تانسوشيلر (الطريق القويم) بالفساد, وحزب مسعود يلماظ (الوطن الأم) بالتعاون مع المافيا, وما صاحب ذلك من إنهيار الائتلافات الحكومية الهشة, وتدهور اقتصادي تسبب في شيوع روح الاحباط العام بين الجماهير التركية وقد ترتب على ذلك سقوط أحزاب اليمين الوسط, وبالتالي فوز الحركة القومية بالمركز الثاني في الانتخابات (130 مقعداً) بعد الحزب اليساري (133 مقعداً). والحركة القومية تمثل أقصى اليمين المتطرف, وخلفيتها التاريخية الحقيقية فاشية, فهي اسم آخر لحزب العمل التركي الذي أشاع موجة عنيفة من أعمال العنف في تركيا في السبعينات في شرق الأناضول وقع بسببها مئات الضحايا من العلويين والأكراد على أيدي ميليشيات (الذئاب الرمادية). لذلك كان غريبا أن يتحالف أقصى اليمين مع أقصى اليسار في تشكيل الحكومة الحالية في تركيا. وخطورة الأمر في هذا التحالف الذي يستقطب قطاعا ليس بصغير من التيار الإسلامي, والفئات الفقيرة التي تأثرت بالأزمة الاقتصادية أنه يعبر عن موجة شاملة يطلق عليها (البحث عن الهوية) والسعي إلى (أمة تركية متميزة).. وكلها شعارات تتعلق بأمجاد تركية تكاد تكون ذات مرجع واحد, تحظى بمظلة المؤسسة العسكرية التركية, وأن كانت الحركة القومية التركية في دفاعها عن الهوية التركية تختلف مع الجنرالات الذين يفضلون التوجه نحو الغرب, بينما يطالب القوميون بالتوجه نحو التكامل مع آسيا الوسطى والقوقاز, لاسيما وأن أوروبا ترفض حتى اليوم قبول تركيا عضوا في الاتحاد الأوروبي رغم استجابتها للكثير من شروط هذا الاتحاد, لاسيما في التوجه العلماني السياسي والاجتماعي و الاقتصادي, كما تنتقد أوروبا موقف تركيا من محاكمة أوجلان وقضية حقوق الإنسان وكلا التياران اليساري واليميني القومي يدعو إلى مزيد من الشراكة والتحالف مع إسرائيل. وخطورة الأمر في هذا التحالف اليساري واليميني القومي التركي, بمباركة المؤسسة العسكرية التركية , ودعم إسرائيل, سيدفع تركيا المنبوذة أوروبيا, والباحثة عن أمجادها القديمة, قد تجر المنطقة إلى أزمات إذا ما أظهرت تشددا مع إيران وسوريا واليونان, وهو ما تدفع إسرائيل إليه تركيا بزعم أن ذلك سيعزر موقعها في الناتو ويقنع الاتحاد الأوروبي بقبولها عضوا فيه . فإذا ما وضعنا في الاعتبار أنه بعد البلقان تعتبر مناطق بحر قزوين والشرق الأوسط والخليج هي المناطق المرشحة للأزمات في العصر المقبل. فإن قيام تركيا بتعزيز منطقة الحزام الأمني الذي تحاول إنشاءه من خلال عملياتها العسكرية في شمال العراق, كذلك تبني الحركة التركمانية في شمال العراق وإيران (منهم نصف مليون تركماني في العراق) والذي وصل إلى حد تدريب مجموعات منهم في مخيمات حزب العمل القومي التركي برعاية المخابرات التركية, وتطالب تركيا بحقوقهم السياسية والاقتصادية, كل ذلك أثار إيران ضد تركيا, خاصة وأن مسألة التعامل مع أكراد وتركمان إيران أصعب بكثير من التعامل مع قرنائهم في العراق, كما أن معسكرات حزب العمال الكردستاني في إيران تتمتع بالحماية الإيرانية على عكس الوضع في شمال العراق حيث تفتقد السلطة المركزية في بغداد السيطرة على هذه المناطق, فإذا أضفنا إلى ذلك أن حزب العمل القومي التركي والذي تمثله حاليا الحركة القومية التركية التي تتمتع بـ 130 مقعداً في البرلمان تطالب بضم كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وأذربيجان وجنوب قبرص إلى تركيا الأم وهو ما أعلنه الكولونيل (الباأرسلان نوركيسي) مؤسس فصائل (الذئاب الرمادية) والذي يسعى لإثارة خيال الشعب التركي برسم عدائيات وهمية خارجية زاعما أنها تتربص بتركيا, إلى جانب اعادة التذكير بالصراع التاريخي مع الغرب وخريطة (سيفر) لتقسيم الأناضول. ومازالت هذه هي شعارات حز ب الحركة القومية والمتضامن مع حزب اليسار.. لأدركنا حجم المخاطر التي ستتعرض لها تركيا في المستقبل وبالتالي المنطقة من وراء اتخاذ المنطلق القومي المتطرف سبيلا لحل مشاكل تركيا مع جيرانها, ذلك لأن أندفاع القيادة التركية إلى مغامرات سياسية وعسكرية لتحقيق هذه الأهداف, سيتسبب في حدوث مجازر دموية رهيبة أشد بكثير مما تعرضت له البوسنة وكوسوفو في التسعينات, ناهيك عما يمكن أن يسببه ذلك من تعميق عزلة تركيا اقليميا ودوليا, ويبعدها كثيرا عن أملها في الإنضمام للإتحاد الأوروبي. ومما لاشك فيه أن إسرائيل لن تستطيع أن تساهم في حل كل هذه المشكلات الداخلية والخارجية التي تتعرض لها تركيا, بل على العكس من ذلك ستسعى إلى استغلال التوجه القومي اليميني المتطرف في تركيا في سكب مزيد من الوقود على النار التي سيشعلها القوميون الأتراك. لأن ذلك سيورط تركيا في المزيد من النزاعات والصراعات التي في محصلتها تركيا مهما حدث فهي منذ البداية وحتى النهاية دولة إسلامية كبرى, ينبغي في الرؤية الإسرائيلية بعيدة المدى أن يتم تعزيمها حتى لا تشكل أدنى مقاومة في المستقبل (للكومنولث العبري) التي تسعى إسرائيل لاقامته في منطقة الشرق الأوسط, تكون هي المهيمنة فيه سياسيا واقتصاديا وعسكريا على باقي دول المنطقة. مشكلة انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي أما فيما تعلقه تركيا من آمال على إسرائيل لتساعدها في الانضمام للإتحاد الأوروبي, فذلك على عكس ما تخطط وتسعى إليه إسرائيل والولايات المتحدة معا. ذلك لأن كلاهما يستهدف أبعاد تركيا عن أوروبا, واقحامها في مشاكل الشرق الأوسط المستقبلية, بالنظر لما يعلقونه على تركيا من آمال عريضة في حل مشاكل المياه التي ستتعرض لها المنطقة في العقد المقبل, والتي ستكون محور النزاع العربي الإسرائيلي مستقبلا. وبالتالي سيظل مستقبل تركيا اقليميا رهنا بمصير انضمامها للإتحاد الأوروبي, وطالما بقي هذا الطلب معلقا, فسيستمر التشتت بين الهوية الغربية والشرقية يسود المجتمع التركي. وهو تشتت ليس ناجما عن صراع داخلي كما حدث في عام 1997 وأدى بالعلمانيين والمؤسسة العسكرية إلى إزاحة اربكان زعيم حزب الرفاة الإسلامي عن الحكم وحل الحزب ولكنه تشتت يمثل انعكاسا لما تعانيه تركيا منذ أربعين سنة بحثا عن هويتها, بالنظر لصعوبة إزالة جذور الإسلام العميقة والكامنة في نفوس أغلبية الشعب التركي على مدار القرون ولن تستطيع إسرائيل أن تسهل من الشروط التي يضعها الإتحاد الأوروبي لإنضمام تركيا له, وهي شروط عديدة وصعبة تتعلق بالديمقراطية والتعددية الحزبية وحقوق ومشاركة الأقليات في الحكم وتقرير مصيرهم وأساليب التعامل معهم, إلى جانب ابعاد المؤسسة العسكرية عن الحكم, وأن الدولة التركية ينبغي أن تقوم على سيادة القانون, قادرة على حل مشكلاتها على أساس المعرفة التكنولوجية, واقتصاد السوق, واحترام حقوق الإنسان, والتوافق مع القوانين والقواعد الدولية, وحماية البيئة الخ. وهي شروط كثيرة وطريق طويل ليس قاصرا فقط على تحقيق معدلات نمو اقتصادي عال أو فتح بورصة أو إيقاف اعدام اوجلان, بل إن الأمر يتطلب تغييرات جذرية ينبغي على تركيا إدخالها في قوانينها السياسية والمدنية والاقتصادية وحتى الصحية. خاصة ما يتعلق منها بالأقليات لاسيما الكردية, ووضع المرأة في أقصى الأناضول, والموقف من الأحزاب الإسلامية وهي مخالفة للثوابت الأوروبية إلى جانب قضية توحيد قبرص واعتراف تركيا بها, والمشكلة التاريخية الخاصة بالمذابح التي تتهم أوروبا تركيا بإرتكابها ضد نصف مليون أرميني في عام ,1915 وضرورة تعويضهم. وهو القانون الذي تبنته الجمعية الوطنية الفرنسية أخيرا والذي سجلت فيه فرنسا تأييدها لحقوق الأرمن وضرورة تعويضهم.لذلك أصبح انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي مسألة تؤرق النخبة الحاكمة هناك وحالة عاطفية تتعلق بشرف الأمة التركية وتأكيد هويتها. في حين أن الكثير من الأتراك يختلفون مع هذا المفهوم, ويرون أن تركيا لو بذلك نصف الجهد الذي تبذله في محاولة الإنضمام للإتحاد الأوروبي قد بذلته في العمل على توجهها نحو جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية الغنية بمواردها, والتي تبحث عن قيادة لها لكان أجدى لتركيا, خاصة وأن بإمكانها إقامة تجمع اقتصادي مؤثر يؤهلها لتبؤ مركز قيادي في منطقة القوقاز, ويكون له انعكاسا على مركز تركيا على الساحتين الإقليمية والدولية, ناهيك عما تشكله هذه الدول من سوق واسعة للصادرات التركية التي يمكن أن يتضاعف حجمها بعد إنجاز مشروع جنوب شرق الأناضول الزراعي والصناعي الضخم. في حين ترى القوى المعارضة في تركيا والتي تضم الأكراد والمنضمون للتيار الإسلامي والعلويين أن انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي سيكون خيرا لهم, لما يضمنه لهم الاتحاد من الحصول على حقوقهم الإنسانية, خاصة وأن حجم الأكراد في بلدان أوروبا والبالغ عددهم 4 مليون كردي يمكن لهم أن يشكلوا من خلال حكوماتهم ضغوطا على تركيا من داخل الاتحاد الأوروبي. دور إسرائيل في إفساد علاقة تركيا بسوريا والعرب عندما تأزم الموقف بين تركيا وسوريا في أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر 1998 بسبب حشد تركيا قواتها على حدود سوريا, وتهديدها بتوجيه ضربة عسكرية ضدها بزعم دعمها لحزب العمال الكردستاني الانفصالي الذي يثير الارهاب في ربوع تركيا سعى الرئيس المصري حسني مبارك إلى نزع فتيل الأزمة من خلال المهمة المكوكية التي قام بها آنذاك خلال أربعة أيام زار فيها كل من دمشق وأنقره عدة مرات حتى توصل إلى اتفاق مع الطرفين يقضي بخروج أوجلان زعيم الحزب الكردستاني من سوريا, واغلاق قواعد هذا الحزب في سوريا والبقاع اللبناني. وهو ما أكده فارس بويز وزير خارجية لبنان في 5/10/1998 خاصة ما يتعلق بمعسكر الأكراد في قرية حلوة المتواجدة على مسافة 2 كم من الحدود السورية.وقد اعترف بذلك أيضا وزير دفاع تركيا عصمت سيزوجين في 13 /10/ 1998 عندما صرح بأن بلاده تأكدت من أن سوريا قد أغلقت كل المعسكرات الإرهابية. وتم بعد ذلك عقد اجتماع امني في قرية (أضنة) على الجانب التركي من الحدود مع سوريا في 19/10/1998 تم فيه توقيع الاتفاق الذي عرف بـ (اتفاق أضنة) والذي نص على ابعاد عناصر حزب العمال الكرستادني من الأراضي السورية والتي تسيطر عليها في لبنان, ومنعهم من عبور الحدود من سوريا إلى تركيا, وتبادل ممثلين أمنيين, واقامة خط ساخن بين البلدين. وقد ذكر وزير خارجية سوريا فاروق الشرع في هذا الصدد (إننا لا نريد أن تتحول تركيا إلى عدو للعرب). وبعد توقيع هذا الاتفاق حدث تعاون أمني اقتصادي ملموس بين البلدين تمثل في اجتماع لجنة أمنية مشتركة لأول مرة منذ 12 عاما, وزيادة حجم التبادل التجاري من 540 مليون دولار إلى مليار دولار, وتوقيع اتفاقيات لمنع الإزدواج الضريبي وتسهيل النقل والمواصلات وفتح الطريق للمستثمرين وحماية الاستثمارات المشتركة, وهو ما اعتبره المراقبون شهر عسل جديد بين البلدين أعقب طي ملف حزب العمال الكردستاني وتشكيل لجنة عمل مشتركة برئاسة وزير خارجية البلدين لوضع اعلان مبادئ ينظم العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية والمائية والحدودية بين البلدين, ووضع حد نهائي للخلافات بينهما. وقد تأكد التحسن في العلاقات بمشاركة الرئيس التركي (أحمد نجدت) في تشييع جنازة الرئيس الراحل حافظ الأسد. وقد أزعج هذا التحول الإيجابي في العلاقات التركية السورية إسرائيل, لذلك سعت لافساد هذه العلاقات بدس معلومات بين البلدين تخدم أهدافها. فبينما كان نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام يستعد لزيارة أنقرة في نوفمبر عام ,2000 أوعزت الموساد إلى رئيس وزراء إسرائيل (يهود باراك) أن طائرة مدنية إيرانية قادمة من طهران في طريقها إلى دمشق تحمل أسلحة إلى حزب الله. فإتصل باراك بأجاويد رئيس وزراء تركيا وطلب منه اعتراض هذه الطائرة قبل هبوطها في دمشق.وبالفعل قامت طائرتان تركيتان من طراز (ف-16) باعتراض الطائرة الإيرانية المدنية في أول نوفمبر ,2000 وأجبرتها على الهبوط في القاعدة الجوية التركية في (ديار بكر), وتم تفتيش الطائرة ولم يجدوا شيئا من الأسلحة المزعومة, وكانت فضيحة مدوية داخل تركيا. وقد تبين بعد ذلك أن مجلس الأمن القومي التركي كان قد عقد جلسة في 27 /10/2000 لبحث استغلال زيارة خدام لحسم مستقبل العلاقات السورية التركية إزاء القضايا المعلقة بين البلدين, ففاجأت تركيا سوريا بتصعيد شروطها لتطبيع العلاقات, وذلك بوضع كافة القضايا الحساسة على رأس قائمة جدول أعمال زيارة خدام لأنقرة, مثل قضية لواء الاسكندرونة وضرورة اعتراف سوريا بأنه جزء من تركيا, وليس له حق المطالبة به مستقبلا, كما طالب مجلس الأمن القومي التركي الذي يسيطر عليه الجنرالات بإتفاق أمني جديد بديل عن اتفاق أضنة. ولأن تركيا وجدت صعوبة في وقف عمليات حزب العمال الكردستاني, عادت مرة أخرى لإتهام دمشق وطهران بإيواء عناصر هذا الحزب وعرضت معلومات مدسوسة حصلت عليها من الموساد عن إعادة فتح معسكرات للحزب في لبنان, مع الإصرار على تبرير استخدام تركيا للسدود المقامة على نهري دجلة والفرات. وفي ذلك يقول أحد خبراء حلف الناتو: (لقد أعاد الجنرالات الأتراك في اجتماعهم الأخر رسم استراتيجيتهم الإقليمية على أساس قرار اتخذوه بأن يكون لتركيا دور ومشاركة في سيناريوهات الحرب المتوقعة بالتعاون الوثيق مع إسرائيل. وتزداد التهديدات التركية لسوريا مع تزايد التعاون بين دمشق وبغداد, خاصة وأن العراق أصبح محط تنافس بين دول المنطقة للحصول على عائدات النفط العراقي, إضافة إلى مؤشرات الإنفتاح الإيراني على العراق, حيث تنظر الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل إلى محور (دمشق بغداد طهران) باعتباره خط أحمر وكأنه اعلان حرب.. خاصة في ضوء اتفاق إسرائيل وتركيا على ضرورة المواجهة المشتركة لمشكلة الصواريخ الإيرانية (شهاب 4,3), والصواريخ السورية (سكود سي) التي طورت سوريا مداها إلى 500كم, وذلك بتدمير جميع المنشآت المتعلقة بهذه المشروعات, ومشروعات أخرى تزعم تركيا وإسرائيل أنها تتعلق بإنتاج أسلحة كيميائية وأخر ذات دمار شامل, ثم يضيف خبير الناتو قائلا: أن تصعيد الجنرالات الأتراك لمطالبتهم من سوريا في رفع سقفها إلى هذا المستوى, هو أمر غير معقول ويعكس حجم المؤامرة والمخاطر التي تحيق بسوريا, ووضع الرئيس السوري الجديد بشار الأسد موضع الاختيار. وحقيقة الأمر أن هناك فئة ذات نفوذ قوي في تركيا تسعى لافساد علاقة تركيا بالدول العربية والإسلامية, وفي المقابل تحسين العلاقات التركية الإسرائيلية وهذه الفئة تعرف باسم (يهود الدونمة) الذين يتظاهرون بالإسلام في حين أنهم في حقيقتهم يدينون باليهودية, ولكل واحد منهم اسمان أحدهما مسلم والآخر يهودي. ويرجع أصول هذه الفئة إلى القرن الثامن عشر وما بعده عندما كان اليهود الأتراك يخشون بطش الدولة العثمانية بهم فأخفوا حقيقة يهوديتهم بإظهار إسلامهم, وقد تمكنت هذه الفئة شأنها في ذلك شأن باقي تجمعات اليهود في مختلف بلدان العالم من احكام سيطرتها على قطاعات عريضة في المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاعلامية في تركيا. وهي وراء حملات الكراهية التي تشنها تركيا ضد العالمين العربي والإسلامي, وهي المسئولة أيضا عن التناقض الظاهر في السياسة التركية بين الحفاظ على شبكة تحالفاتها التقليدية مع الناتو وإسرائيل والولايات المتحدة, وبين رغبتها في الإنفتاح على العالم العربي والإسلامي. خبير استراتيجي مصري