في مثل هذا اليوم في الثالث من ايام العيد كنا نودع العيد وداعا حارا ونحن صغار قبل ما يزيد على الثلاثين عاما, يوم ان كانت هذه الديار غير ما هي عليه الان كانت بسيطة قليلة المباهج في ظاهرها لكن البهجة كانت في القلوب, كانت الحياة اشبه بحلم يدنو من الحقيقة شيئا فشيئا, الآمال كانت كبارا والآلام برغم وطأتها على النفوس كانت محتملة ترضى بها تلك النفوس المؤمنة والصغار في ذلك الوقت كانوا اكثر الجميع بهجة اذا ما قدم العيد اذا تهامست تلك النخلات على مشارف المدينة الصغيرة بأن العيد حل وان الموعد مع فرح الاطفال قادم. ويبدو ان الفرح يكون اكبر واجمل واحلى في النفوس والارواح كلما تميزت مظاهره وكانت هي احلام تنتظر, لا ترى ولا تعود ولا تجود بها الايام العادية بل هي هدية ايام العيد وهذا في الحقيقة كان سر جمال ايام العيد في ذلك العصر, كانت ايام العيد اجمل لأن الروح كانت تتوق الى الثوب الجديد الذي لم تكن تعرفه الا في العيد والى الحلوى التي لم تكن تتذوقها الا في العيد والى المراجيح التي لم تكن تعلقها وتلعب بها الا في العيد والى النقود القليلة التي لم تكن تجري في يد الاطفال الا في ايام العيد.. حتى اسموها العيديات لانها لا تعود الا ايام العيد هذا هو السر في تلك اللذة التي قد لا يجدها صغار هذا اليوم لأن العيد لا يأتي بجديد فكل حياتنا اضحت مظاهر احتفالية والعابا وملاهي هي متاحة للاطفال في كل يوم ولعل من حكمة هذا الدين انه منع المسلمين من الاحتفال بغير اعياد الاسلام المعروفة (عيد الفطر وعيد الاضحى). لعله منع ذلك ليحتفظ للنفوس بهذه البهجة التي يفقدها معناها تكرار المناسبات والاحتفالات فإن الامم التي تكثر اعيادها واحتفالاتها امم في الحقيقة تعاني من امرين اما من تعاسة وهم وضيعة بالحياة ومرارة دائمة فهي تلجأ الى الاحتفال واللهو طول ايام سنتها لتخفف من همومها واما انها امم لا تعرف معنى الجد والعمل ولذة الشدة والالتزام والصبر عليه اولا تريد ذلك ولا تصبر عليه فتلجأ او تهرب الى الافراح والاحتفالات المصطنعة التي لا معنى لها. اما امة الاسلام فأمة متوازنة اعيادها قليلة لكنها اعياد كبيرة تحمل معاني غير اللهو والفرحة غير ذات المعنى, اعيادها تعني صلة روحانية بالخالق وبالخلق بالخالق شكرا له على فضله وامتنانه على تمام النعمة وعلى نعمة الاسلام والعبادة وعلى نعمة العودة الى مراسم الطاعة والعبادة والتقرب الى الخالق, واعياد الاسلام صلة بالخلق تعمق الاحساس بالاخوة وتزيد الروابط التي تعمق الارتباط بهذا الدين من ناحية وتزيد صلة الرحمة بين افراد هذا المجتمع. هذا بالاضافة الى الفرحة التي هي نتيجة كل ذلك وليست اصله وهذان هما الفرقان العظيمان بين اعياد الاسلام واعياد غيره, اعياد الاسلام فرحة ناتجة عن اصل عظيم وهو ارتباط بالاسلام وبالخالق وزيادة ترابط وتراحم بين المسلمين. واعياد غير الاسلام فرحة مقصودة لذاتها مدعاتها الهموم والبعد عن الخالق وكثرة التفكك الاجتماعي الغالب على تلك المجتمعات التي لا تعرف من معاني الاسلام والتراحم فيه شيئا, فليت افراحنا هي افراح الاسلام وحده وليتنا لا نقلد غيرنا في افراحهم واحتفالاتهم فليس في ذلك الا تبعية وتقليد يؤكد مقولة نبي الامة: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود والنصارى قال فمن؟). يعني ومن سوى اليهود والنصارى.