لولا اليأس الفلسطيني لما اشتعلت الانتفاضة. ولولا اليأس الاسرائيلي لما انتهى اختيار الناخبين الاسرائيليين الى ارييل شارون. ولكن شتان ما بين يأس ويأس: يأس ايجابي ويأس سلبي. وما سوف نشهده خلال الشهور وربما السنين التالية سيكون سباقا رهيبا بين ارادتين: ارادة تطلب الموت وارادة تتشبث بالحياة. لقد اندلعت الانتفاضة قبل خمسة شهور كتعبير عن تراكمات من مشاعر خيبة الامل تجاه (عملية السلام) تجمعت عبر سنين من المماطلة الاسرائيلية. وزيارة الجنرال شارون الشهيرة الى باحة الحرم القدسي قرب نهاية سبتمبر الماضي لم تكن السبب. كانت مجرد شرارة واذن كان اشتغال الشارع الفلسطيني ـ اعراباً عن قمة الشعور باليأس من اي خلاص وطني عن طريق التفاوض السلمي مع الخصم الاسرائيلي. هنا وصل الشعب الفلسطيني الى نقطة اللاعودة. على الجانب الاسرائيلي هناك ايضا تراكمات افضت الى نوع اخر من اليأس. واذا كان المطلب الفلسطيني الرئيسي هو السلام فإن المطلب الاسرائيلي الرئيسي هو الامن. وعلى مدى سنين ايضا فشلت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة باختلاف توجهاتها السياسية في توفير حالة من الاستقرار الامني للمجتمع الاسرائيلي. وهكذا, وعبر مراحل من الشعور الحاد بالاحباط على الجانبين, ولكن لاسباب مختلفة, قرر كل من الشعبين المراهنة بخياره الاخير والنهائي. لقد وصف الكاتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك اختيار الناخبين الاسرائيليين لارييل شارون لكي يقود المرحلة التالية في مسلسل الصراع العربي الاسرائيلي بأنه اختيار احمق. وفي التفسير يقول فيسك ان التصعيد العنيف الذي يتوقعه الشعب الاسرائيلي من شارون ضد الانتفاضة الفلسطينية سوف يفرز مسلسلا جديدا من تبادل سفك الدماء.. وكلما ازداد التصعيد وتضاعف كلما كان رد الفعل من الطرف الاخر اشد. وهذه هي الحماقة الاسرائيلية كما قال فيسك. بوصول شارون الى السلطة يكون قد توالى على جهاز الحكم الاسرائيلي خمسة رؤساء حكومة منذ توقيع اتفاق اوسلو في عام 1993. ومما يلاحظ ان هذا التوالي يمثل خطا بيانيا صعوديا في سياسة العنف الاسرائيلية. والان وقد بدأ عهد شارون فانه لن يمضي على الجنرال زمن طويل (ربما بضعة شهور) ليدرك ان ترسانة العنف الاسرائيلية قد استنفدت مخزونها دون ان تفلح اسرائيل في كسر شوكة الارادة الفلسطينية. بل على العكس سوف يدرك ان الاستعداد الفلسطيني لاستقبال الموت يتضاعف مع تضاعف وحشية القمع الاسرائيلي. وعندما يصل شارون الى نقطة ادراك هذه الحقيقة فان الناخبين الاسرائيليين الذين منحوه ثقتهم سوف يتوصلون الى استخلاص مخيف: ان الجنرال عاجز عن تسليم البضاعة كما وعد.. سوف يدركون, مع توالي الاحداث الفدائية الفلسطينية داخل العمق الاسرائيلي, ان أمن الاسر والافراد بل والجنود في المجتمع الاسرائيلي ابعد ما يكون عن متناول اليد. حينئذ سوف يدرك الشعب الاسرائيلي ايضا مغزى مقولة روبرت فيسك. ان شارون هو اخر ما في جعبة اسرائيل من نماذج الذهنية الدموية. وبوصوله الى السلطة تكون قد استنفدت هذه الجعبة في حين ان قناعة الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته تترسخ يوما بعد يوم بأنه لم يعد امامه خيار عملي سوى مواصلة الانتفاضة. وهذا هو الفرق بين اليأس السلبي واليأس الايجابي.