شهدت تركيا أخيراً أزمة غير مسبوقة في قمة الدولة, اثر تفجر الخلاف بين الرئيس أحمد نجدت سيزار ورئيس الحكومة بولند أجاويد خلال جلسة لمجلس الأمن القومي, ومع ان المجلس عاد واجتمع ثانية بحضور سيزار وأجاويد الا ان الأزمة السياسية تحولت الى ازمة اقتصادية دفعت بالبلاد نحو حافة الانهيار الاقتصادي الشامل, بسبب الخسائر التي لحقت بالاقتصاد التركي جراء تعويم الليرة, حيث قدرت المصادر التركية هذه الخسائر بنحو 12 مليار دولار خلال اسبوع, الأمر الذي استدعى تدخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وكذلك الولايات المتحدة وتقديم أكثر من 11 مليار دولار كقروض لمنع حدوث انهيار شامل في اطار برنامج الاصلاح الاقتصادي لحكومة أجاويد. اللافت في الأزمة الناشبة بين الرئيس سيزار, ورئيس الحكومة أجاويد انها لا تتعلق بالصراع الدائر بين (العلمانية) والاسلام السياسي كما جرت العادة في تركيا, فالأزمة الحالية انبثقت من داخل النخبة العلمانية نفسها وعلى أعلى المستويات. فالرئيس سيزار شأنه شأن أجاويد علماني, وإن كان يزيده تمسكا بالدستور والقانون واحتراماً لهما, أي ان الازمة الجارية هي صراع بين منطقين, منطق الدولة القانونية الدستورية (سيزار), ومنطق الدولة ــ الفساد, الصفقات, المصالح السياسية للاحزاب ــ (أجاويد), وتفجر الازمة بين المنطقين جاء بعد حصيلة من التراكمات والسلوكيات والقرارات والمواقف, اذ بدا وكأن هناك قيادتين للبلاد, قيادة سيزار التي تريد ادارة البلاد وفقا للقوانين والدستور والانظمة, وقيادة أجاويد التي تدير البلاد والحكومة وفقاً للحسابات الحكومية ومصالح الاحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي وتقاطع المصالح مع رجالات الاعمال والمافيا والتجارة الوهمية, وانطلاقا من موقع كل طرف وسياسته واسلوبه يرى كل جانب في الآخر عقبة في طريق ادارته للبلاد. اذ يرى أجاويد بأن الرئاسة اصبحت مقبرة لمشاريع الحكومة وقوانينها (قانون تسريح الموظفين, قانون المصارف, قانون العفو..) بسبب رفض الرئيس سيزار تصديقها لعدم قانونيتها أو افتقارها للعديد من العناصر القانونية, بينما يرى الرئيس سيزار بأن أجاويد اصبح رمزاً للتستر على الفساد والتدخل في الجهاز القضائي لعرقلة اجراءات المحاكم ومحاسبة الوزراء والمسئولين المتورطين في قضايا الفساد. لقد دفعت الأزمة التركية الاخيرة بأقطاب الحكم الى الدخول في اختبار قوة, وحدوث اصطفافات سياسية وحزبية, والى ما يشبه فرزاً جديداً لخريطة القوى والاحزاب, ابرز اقطابها: * الحكومة برئاسة أجاويد, اذ اعلن شركاء أجاويد في الائتلاف الحكومي (دولت بهجلي رئيس الحركة القومي ــ ومسعود يلماظ رئيس حزب الوطن الأم) وقوفهما مع أجاويد, ويرى المحللون ان احزاب الائتلاف الحكومي تخشى ان يؤدي فتح ملف الفساد الى انهيار الحكومة خاصة في ضوء اخفاق الحكومة بتحقيق اصلاح اقتصادي منشود. * اعلان حزب الفضيلة بزعامة رجائي كوتان, وحزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيللر وقوفهما الى جانب الرئيس سيزار, اذ تقدم الحزبان باقتراحين منفصلين الى مجلس الأمة (البرلمان) لحجب الثقة عن الحكومة, ويرى الحزبان بأن الائتلاف الحكومي بزعامة أجاويد هو ائتلاف المصالح والصفقات السياسية, وان البرنامج الاقتصادي للحكومة محكوم بالفشل, ولا امكانية لقيادة البلاد في ظل غياب التنسيق بين الرئاسة والحكومة. * الشعب بفئاته المختلفة وتعدده القومي والمذهبي والطبقي اظهر نوعا من التأييد الشامل لنهج الرئيس سيزار, اذ تشير الاستطلاعات التركية الى ان أكثر من ثمانين بالمئة من الشعب التركي يؤيد الرئيس سيزار. * مجلس الأمن القومي الذي هو بمثابة حكومة خفية تتمتع بصلاحيات شبه مطلقة, ويتألف المجلس من قادة الجيوش, وهو يرى أن الأزمة الحالية لا حل لها الا بالحوار بين الحكومة والرئاسة, وانه لا بديل عنهما, وبالتالي لابد من ايجاد صيغة للتعاون والعمل بين المؤسستين, ويرجع المحللون موقف المجلس (الجيش) هذا الى قناعته بضرورة كل من أجاويد وسيزار في المرحلة المقبلة. فأجاويد هو رجل الوسط والعقدة والتقاطعات السياسية والحزبية. في حين سيزار هو رجل الاصلاح القانوني والدستوري في مسيرة تركيا نحو العضوية الاوروبية. في الواقع, مهما يكون شأن هذه الانقسامات وأبعادها وتأثيرها على المعادلة السياسية التركية, فإن الازمة الاخيرة بتداعياتها السياسية والاقتصادية اظهرت خللا عميقا في ميادين مختلفة: * خللاً في البنيان الاساسي للدولة, ويتمثل هذا الخلل في الفصل بين السلطات والمؤسسات, وعدم التزام كل سلطة بالدستور والقوانين وتجاوز الصلاحيات, الأمر الذي ادى الى حصول المواجهة القائمة بين الرئاسة والحكومة, فالرئاسة تقول ان الحكومة بمشاريعها الناقصة تريد احراج الرئاسة امام الشعب, عن طريق اظهارها كعقبة في وجه الاداء الحكومي, بينما تريد الرئاسة من الحكومة انجاز مشاريع دستورية قانونية خارج المصالح الحزبية الضيقة, انتصارا لدولة القانون وتحقيق العضوية الاوروبية. ولعل استمرار الخلل على هذا النحو بين الرئاسة والحكومة سيحدث فراغا في صناعة القرار والتنسيق في عمل المؤسسات وادارة البلاد. * خللاً بنيوياً في علاقة السياسة بالاقتصاد وتقويض الاولى للأخير, اذ ان تدخل الجيش في السياسة الاقتصادية للبلاد باسم السياسات العليا, وتخصيص 150 مليار دولار ميزانية عسكرية لتحديث الجيش خلال السنوات المقبلة, وعقد الصفقات المتعلقة بشراء الاسلحة والتسليح والتصنيع الحربي, في بلد بلغت ديونه 166 مليار دولار مسألة بحاجة الى التوقف عند دلالاتها المختلفة, اذ كيف نفسر خسارة الليرة التركية اكثر من ثلث قيمتها في يوم واحد؟ لقد ادت الازمة الاخيرة الى انهيار قطاع البنوك والمصارف وفقدان القدرة الشرائية, في وقت بلغت معدلات التضخم والبطالة والعجز والمديونية نسباً غير مسبوقة الى درجة ان المحللين يقولون ان الاقتصاد التركي لم يعد قادرا على خدمة ايفاء الديون, ويرى المحللون ان الاصلاح الاقتصادي لا يكمن في اسلوب الهروب الى صندوق النقد وطلب قروض اضافية والخضوع لشروط الصندوق وسياسته, اذ ان هذا الاسلوب لم يسفر حتى الآن سوى عن خصخصة القطاع العام بأبخس الاثمان وتدهور الاوضاع المعيشية. إن الأزمة الحالية في احد جوانبها ناتجة عن تأجيل الاستحقاقات الداخلية المؤجلة منذ قيام الجمهورية التركية العلمانية 1923, اي الاستحقاقات التي ترتبت على انكار الايديولوجية الرسمية (الاتاتوركية) لهوية تركيا الاسلامية والقيم الاجتماعية والثقافية والحضارية المرتبطة بهذه الهوية, والتي صنفتها القوى العلمانية بـ (الرجعية), وكذلك بانكار هذه الايديولوجية للتعدد القومي والمذهبي في البلاد, اذ بلغ الشأن الكردي في تركيا مرحلة لم يعد بالامكان انكاره, تحت مزاعم اتاتوركية تفتقر الى الحقائق التاريخية والاجتماعية والحضارية المتجذرة في بنية البلاد وهويتها. لقد فتحت الازمة السياسية التركية بأبعادها المختلفة الباب امام اسئلة صعبة حول مسار العملية السياسية في البلاد, ما دام كل طرف لديه من الاوراق للقيام بلعبة السلطة والديمقراطية, الرئيس سيزار يتمتع بتأييد الشعب والمعارضة, وبالتالي لا قدرة للحكومة على الاطاحة به, بينما الحكومة تتمتع بالغالبية في البرلمان, بالتالي المعارضة نفسها غير قادرة على حجب الثقة عن الحكومة, لذا تبدو هذه الحكومة باقية الا اذا جرت انتخابات نيابية جديدة. في ظل هذه المعادلات, فإن الأزمة التركية مرشحة لمرحلة أخرى من المواجهة بين الرئاسة والحكومة استنادا الى اختلاف منطق المؤسستين, فالأزمة الناشبة في اسبابها وعواملها ومقدماتها وابعادها ليست ناتجة عن اللحظة السياسية الراهنة بقدر ما هي ناتجة عن البنيان السياسي الذي قام على ايديولوجية مركبة, نصف عسكرية, نصف قومية, نصف علمانية, ارادها اتاتورك لانقاذ تركيا من الانهيار والارتباط بالغرب, ثم تحولت الى قوالب جامدة ومقدسات يحكم الجيش والنخبة العلمانية بموجبها البلاد, انها أزمة نظام تتعلق بالبنيان العام لأيديولوجية الدولة وآلية الحكم. كاتب سوري