بعد بضعة أيام من وصول أرييل شارون إلى رئاسة الوزارة الإسرائيلية نظم أحد المراكز البحثية, المشهود لها بالكفاءة فى القاهرة, حلقة نقاشيه محدودة, كان موضوعها الرئيسى : كيفية التعامل مع هذا المستجد فى ضوء المصالح العربية الاستراتيجية. وقد بدا من مقام المشاركين ومستوى الأسئلة المطلوب معالجتها والحوارات, أننا بصدد تعامل, صيد هادئ مع الحدث, لا ينتمى للصخب الإعلامى وأسلوب الزفة السياسية الإنفعالى الذى تلا الانتخابات الأخيرة فى إسرائيل بين يدى كثير من الدوائر العربية المعنية. وكان ذلك أول دروس الحلقة, فكم نفتقد مثل هذا التفكير العلمى فى هكذا مناسبات. ولأن المركز المذكور, سبق له تنظيم موائد مستديرة وحلقات نقاش وورش عمل, كلما صعد زعيم إسرائيلى إلى قمة صناعة القرار هناك وهبط آخر.. ولأن حدثا كهذا تكرر لمرات ست فى غضون عقد جهود التسوية العربية الإسرائيلية ( 1991 ـ 2001), من شامير إلى رابين إلى بيريز فنتانياهو فباراك فشارون, فقد إقترح كاتب السطور توسيع مجال الاهتمام ليكون حول علاقة هذا التعاقب القيادى بعملية التسوية, تأثيرا وتأثرا فنحن فى حقيقة الأمر أمام ظاهرة ملفته, وليس حدثا منبت الصلة بما قبله وما بعده, وفى هذا الموضع نجدد الدعوة للكافة لتحري أبعاد هذه الظاهرة.. ونعجل بطرح احدى نتائج تأملاتنا الذاتية فيها. وهى أن الساحة الإسرائيلية تعانى تقلصات سياسية حادة, تعبر عن أزمة حول خيارات التجمع الاستيطانى الداخلية والخارجية, وعلينا كعرب الحذر من لجوء إسرائيل لتصديرها إلينا ولو عبر المنطقة لحرب إقليمية محدودة أو موسعة. ثم إن هذا التوالى على سدة الحكم, على مستوى الزعامات والقوى الحزبية, يعرض علينا كل البدائل الموجودة فى إسرائيل تجاه التسوية, بما يوفر لنا فرصة لتكوين رؤية حقيقية لحدود هذه البدائل وسقف الطرح الإسرائيل لهذه التسوية عموما وإزاء القضايا الفارقة بخاصة (الجولان, شبعا, الاستيطان, القدس, اللاجئين, المياه, طبيعة الكيان الفلسطينى ومستوى سيادته, التعاون الاقليمي, مستقبل النظامين العربى والشرق أوسطى..). فى تعليل أسباب صعود شارون, اتضح فى النقاش, أن هناك من لايود تصديق ميل التجمع الصهيونى إلى خيار, التصعيد مع العرب, وما يدعى بالإتجاه اليمينى المتطرف, لقد كان التصويت لشارون هكذا قيل بمثابة احتجاج على سياسات باراك. بما فى ذلك معاقبته على توجهاته الداخلية الغامضة وتخليه خارجيا عن بعض الثوابت كموقفه من القدس. وساهم عرب 48 فى إسقاطه لاستخراجه الارهاب المفرط ضد تضامنهم مع إنتفاضة الضفة وغزة الظاهرة تعبر إذن عن فشل باراك بأكثر مما تعنى نجاح شارون وصحبه ومن الدلائل على ذلك انخفاض نسبة التصويت لأدنى مستوياتها منذ ,1948 والذين امتنعوا كانوا من أنصار باراك وحزب العمل, ولو أنهم شاركوا لرجحوا كفة باراك. لدينا إذن نمط من التفكير الهروبى, الذى لا يريد رؤية الداخل الإسرائيلى إلا بمنظور أن هناك قوى أقرب إلى خيار التسوية. وينطوى مثل هذا النمط على انتظار فرص أخرى, يحسم فيها الإسرائيليون موقفهم لصالح هذا الخيار. وكان رأينا مع مشاركين آخرين, أن الجانب العربى أوغل وبالغ فى الاعتماد على سياسة رد الفعل تجاه العدوانية الإسرائيلية. وأن نيل الحقوق العربية لن يكون أبدا بهذه الطريقة السلبية. وأن شارون وسياسته الإرهابية وبرنامجه ( المتطرف ) هو التعبير عن حقيقة كوامن التوجه الإسرائيلى. فلا ينبغى الإلتفاف على هذه المعطيات وتعزية الذات بالفرص الأخرى. فالذين صوتوا اختاروا برنامج (اليمين ) ( مع التحفظ على المفهوم), والذين امتنعوا كانوا يعرفون أنهم بذلك يؤيدون فوزه, لأنهم يدركون أن كسلهم فى الذهاب لمراكز الاقتراع يعنى ذلك بالضبط. ولكن لماذا التذبذب الإسرائيلى والذهاب من النقيض إلى النقيض فى وقت قصير جدا. من انتخاب باراك بأغلبية ضد نتانياهو, إلى الاصطفاف الكبير خلف شارون أستاذ نتانياهو ؟ قال نفر من الحاضرين من أصحاب نظرية الأرقام الحقيقية عمن مع وضد شارون, بأن الإسرائيليين قلقون متوترون وحائرون حيال مستقبلهم, ولمعالجة هذه الحقيقة, ينبغى على العرب القيام بمبادرة لطمأنتهم. (إلى هذا الحد بلغ ببعض استراتيجيينا العرب إبتلاع طعم ثقافة السلام ) فى المقابل, رأى آخرون وكنا معهم, أن شارون لم يكن يوما نقيضا لباراك ولا كان لليمين واليسار فى إسرائيل فغزاهما ومعناهما الذى يعرفه الفكر السياسى فى الكيانات السياسية الطبيعية. إسرائيل كيان استيطانى ولها مفاهيمها الخاصة التى تعيش تحليل تفاعلاتها الداخلية والإقليمية من منطلقاتها. وعندما نستعرض القضايا الإنتخابية, لا نجد الفرق ملحوظا بين شارون وباراك, بين ما يوصف باليمين وما يزعم أنه يسار, اللهم إلا إذا استخدمنا لهذا الغرض مجهرا! أما الحديث الصاعق عن طمأنة إسرائيل, فقيل ردا عليه, أن العرب يحتاجون لحملة توعية داخلية ( تتعلق حتى ببعض كبار المحللين الإستراتيجيين العرب ) وخارجية, للتعريف بحجم التنازلات التاريخية والحقوقية التى قدموها لتحقيق التسوية السلمية, ألا يكفى لطمأنة إسرائيل أن العرب تنازلوا عن زهاء 80 فى المئة من فلسطين, وعن طائفة من الحقوق غير القابلة للتصرف, وأنهم أقاموا سلما تعاقديا معها وهى التى تلطخ فى الدماء العربية اناء الليل وأطراف النهار.. ألا يكفى لطمأنتها حيازتها لمئتى قنبلة نووية ومساندة أعتى القوى الدولية لها.. ثم ما المقصود بمبادرة كهذه, أن يتنازل العرب الفلسطينيون عن الحرم القدسى مثلا ؟ أن يهجروا حق العودة الفلسطيني؟ أن يحملوا أكفانهم على أكفهم ويذهبوا بها إلى إسرائيل طالبين منها الصفح عن تمسكهم ببعض حقوقهم ؟! ما ينبغى مراعاته فى هذا السياق على كل حال, أن إغفال الطبيعة الاستيطانية لإسرائيل, يقود إلى إنحراف كبير فى تفهم سياساتها على مستوى الفكر والحركة, الكيانات الاستيطانية لا تطمئن إطلاقا لمحيطها الإقليمى, إلا إذا سحقته سحقا أو أعلن لها الولاء المبين, فلنتذكر نموذج الأمريكيتين واستراليا. ولذا كان تقديرنا ومازال, أن الإسرائيليين لن تقر أعينهم حتى لو عاش كل واحد منهم فى دبابة, الحل الأمثل لقضيتهم الأمنية المزمنة هو فى تخليهم عن العقيدة الصهيونية الحاكمة, وهو أمر لا بشائر منظورة له, كونه يعنى زوال الكيان السياسى الصهيونى. كذلك فإنه من غير المنتظر, أن يتهيأ شارون ولا من يليه فى إسرائيل للتسوية الشاملة, بدون كسر ظهر نظريته الأمنية وشعور الإسرائيليين أن (شارون هو الحل ). وهذا يقتضى العض العربى على النواجذ والصبر سياسة عض الأصابع القائمة الآن فى أجواء الإنتفاضة. ولأن الانتفاضة هى الجبهة العربية الوحيدة تقريبا الساخنة فى هذه المرحلة, فإنه لا يليق بالعرب إلقاء العبء عليها وتركها نهبا للضغوط, فشارون صاحب مشروع إقليمى لا فلسطينى فقط, وسلامه القائم على القوة والردع موجه للجميع, فلينتظر كل طرف عربى ما عليه, كى تكون مواجهة هذا المشروع من منطلق عربى شامل, تماما كما أنه يقصد العرب أجمعين. لقد كان الاجماع على هذه النتيجة من حسنات اللقاء, فالتراجع أمام شارون وعصبته, سيغرى الإسرائيليين بالمزيد من (التطرف ) والصلف. كاتب فلسطيني ـ القاهرة