على أثر فشل حركة مايس وفرار معظم قادتها, عاد الوصي عبدالإله الى بغداد في الأول من يونيو ,1941 يرافقه نوري السعيد وعلي جودة الأيوبي وداود الحيدري واستقبل رسمياً من الأعيان ورئيس لجنة الأمن الداخلي, فضلاً عن جميل المدفعي والسفير البريطاني كورنواليس والوزير المفوض الامريكي بول نابنشو. توجه الوصي مع مستقبليه الى قصر الزهور حيث اجرى اتصالاً هاتفياً بأخته الملكة عالية وتحدث مع الملك الطفل فيصل الثاني الذي (بدا على صوته التأثر بشكل ظاهر جداً وهو يتحدث الى خاله مرة اخرى (على حد رواية دي جوري) بعدها توجه الى البلاط الملكي, حيث كان في استقباله رجال السلك الدبلوماسي وعدد من الشخصيات السياسية. لم يحظ الوصي باستقبال شعبي يذكر, فقد كان السخط الشعبي في العراق على أشده من جراء حوادث مايس 1941 المؤلمة, وموقف الوصي منها, ذلك الموقف الذي أساء الى سمعته, وسبب له نقمة الشعب والجيش معاً, فصار الهدف الأول, وسلطت الأضواء عليه, مع العلم ان حركة مايس 1941 لم تكن موجهة ضد نظام الحكم الملكي, بل كانت حركة وطنية استهدفت البريطانيين, المتنفذين في الساحة العراقية, وكان الرأي العام العراقي على سجيته يمقت البريطانيين, وما كان يتوانى عن مؤازرة اي عمل او حركة موجهة ضد نفوذهم, وقد اختار الوصي خندق البريطانيين, وترك البلاد بمساعدتهم, وعاد إليها بعد فشل الحركة برفقة جيوشهم, مما سبب اضعاف مركزه وزاد الشكوك في وطنيته. جرى اثناء عودة الوصي توزيع منشورات تهاجمه (وتفضح اعماله من جهة, وتعلن عن قرب عودة رشيد عالي الكيلاني لاستئناف المقاومة ضد البريطانيين من جهة ثانية, لذا كان طبيعياً, والحال هذه, ان يقتصر استقبال الوصي على الجانب الرسمي دون الشعبي, باستثناء يهود بغداد الذين تزامن وصول الوصي مع احتفالهم بعيد الشفعوت فشاركوا في حفل الاستقبال وهم (يرتدون اجمل ملابسهم, وقد طفح السرور على محياهم, الأمر الذي جعل بقية العراقيين يتصورون ان اليهود يحتفلون بتراجع القوات العراقية أمام البريطانيين, وانهيار حكومة الكيلاني. وأثناء عودة اليهود من حفل الاستقبال حدثت بينهم وبين شباب الوطن الرافض لعودة الوصي اشتباكات تصاعدت حدتها حتى بلغت الاقتتال بين الطرفين, الأمر الذي أدى الى تدهور الموقف الأمني على نحو خطير خلال اليوم الثاني من عودة الوصي, مما تطلب استخدام القوة للسيطرة على الموقف, فأصدر الوصي اوامره بتخويل الجيش اطلاق النار على (العناصر المخلة بالأمن) كلما دعت الحاجة. وتجدر الاشارة الى ان الوصي لم يكن راغباً في دعوة القوات البريطانية للتدخل لوقف الاشتباكات, وهو ما اقترحته لجنة الأمن الداخلي تخوفاً من وقوع مصادمات بينها وبين القوات العراقية من جهة, ولخشيته من ازدياد نقمة الرأي العام في وقت كان يتطلب استتباب الأمن في البلاد بعد الاحداث المؤلمة التي رافقت عودته من جهة اخرى. كشفت العديد من صحف العاصمة عن واقعها الحقيقي بعد فشل حركة مايس الوطنية, وتأكدها من انزال ضربة بالقوى التي كانت تؤيدها, وتعمل معها, فكرست مقالاتها الافتتاحية للترحيب بعودة الوصي, والتهجم على حركة مايس والنيل من قادتها. من جانب آخر رافقت عودة الوصي حالة جديدة تختلف عن تلك التي ترك فيها البلاد في الأول من ابريل 1941 حيث انهارت المعارضة القوية في الجيش والحكومة, وأصبحت القوات البريطانية التي عاد بواسطتها تساند حكمه وتسيطر على الأوضاع العامة في العراق سيطرة تامة, فكان عليه ان يتعاون مع السفارة البريطانية مندفعاً (برد الجميل ان لم يكن مجبراً عليه), وكان السفير البريطاني كورنواليس قد التقى الوصي عصر الأول من يونيو 1941 وتحدث اليه طويلاً, ثم أبرق الى خارجية بلاده يقول: (لقد وجدته متهيئاً تماماً للتعاون معنا في كل شيء). وزارة الانقاذ كانت باكورة هذا التعاون المساعي المشتركة للوصي والسفارة البريطانية لتشكيل حكومة جديدة مهمتها الأولى الحيلولة دون وقوع حوادث, واضطرابات اخرى, وقد مارس كورنواليس ضغطاً ملموساً على الوصي للإسراع في انجاز ذلك والظاهر ان الوصي عند عودته, لم تكن لديه فكرة عن الشخص الذي سيشكل الوزارة وبهدف التشاور في هذا الأمر, استدعى الى قصر الرحاب, ليلة الثاني من يونيو ,1941 محمود صبحي الدفتري, وعرض عليه تأليف الوزارة الجديدة, الا ان الاخير اعتذر عن ذلك, ونصح باسنادها الى رئيس وزراء سابق مجرب لا سيما جميل المدفعي, فأجابه الوصي أنه سبق أن كلف المدفعي ولكنه اعتذر, فاقترح الدفتري على الوصي, ان يعيد تكليفه ثانية, فإذا اصر المدفعي على موقفه, فما على الوصي إلا ان يستعمل صلاحياته فيتولى السلطة بنفسه, ويستعين المديرين العامين في تصريف امور الدولة. واتجهت رغبة الوصي والسفارة البريطانية, الى اسناد الوزارة الى علي جودة الأيوبي الذي لم يستجب لتلك الرغبة, معتذراً بسوء حالته الصحية, والظاهر ان الأيوبي اراد التخلص من المسئولية الأولى, في تلك المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد, ودلالة ذلك اصراره على تسلم حقيبة الخارجية شرطاً لدخوله في الوزارة الجديدة, بعد الحاح المدفعي عليه. أما نوري السعيد فقد ادى سخط الرأي العام عليه, الى استبعاد ترشيحه آنذاك, وقد ادركت الخارجية البريطانية هذه الحقيقة, فبعثت الى سفارتها ببغداد تقول: (من المستحسن ان تحظى تشكيلة الوزارة الجديدة, برضا عامة الشعب العراقي, وبناء عليه فإن ترشيح نوري السعيد ليس في محله, ومن الأفضل ان يكون المدفعي أو الأيوبي, رئيساً للوزارة الجديدة). حملت هذه الدوافع مجتمعة الوصي على اعادة تكليف المدفعي بتشكيل الوزارة الجديدة, وقد وافق الأخير على الاضطلاع بأعبائها تحت الحاح اصدقائه, ومن ضمنهم كورنواليس, الذين شجعوه على تسلم المسئولية (من باب الواجب الوطني). شكل جميل المدفعي وزارته الخامسة في الثاني من يونيو 1941 بعد ان استشار الوصي والسفارة البريطانية في اختيار اعضائها الذين اعتقد ان التعاون معهم سيمهد السبيل لعودة الأمن والنظام الى البلاد. كان الوصي أحوج ما يكون الى رئيس وزراء مثل المدفعي, يحظى برضا البريطانيين, وهو من أنصار سياسة المصالحة الوطنية, فضلاً عن أن شخصيته مقبولة لدى الرأي العام, الذي اطلق على وزارته اسم (وزارة الانقاذ). كانت باكورة أعمال الوزارة إعلان الأحكام العرفية, بهدف السيطرة على الوضع الداخلي المتأزم ودفعه باتجاه الاستقرار كما أعلنت بياناً بعدم شرعية الاجراءات التي اتخذتها حكومة الدفاع الوطني, والوزارة الكيلانية الرابعة وعلى الصعيد الخارجي قررت الوزارة قطع العلاقات الدبلوماسية مع ايطاليا في السابع من يونيو 1941 وأجرت تعديلات في السلك الدبلوماسي كما طلبت من الملحق العسكري الياباني مغادرة الأراضي العراقية باعتباره شخصاً غير مرغوب فيه من الوصي. ألقى المدفعي, في الحادي عشر من يونيو 1941 خطاباً من دار الاذاعة, اشار فيه الى حراجة الظرف الذي تسلم فيه مسئولية البلاد, بعد ان تعرضت الى (أخطر فتنة كادت تؤدي بها وتذهب بكرامتها واستقلالها ومصالحها, لولا لطف الله, وحكمة الوصي, الذي ضحى براحته, وعرض نفسه لأشد المخاطر, في سبيل صيانة الدستور وكيان البلاد.. وان التدابير القانونية الصارمة ستطال الجناة بدون رحمة ولا هوادة لاستئصال جذورهم) وتنفيذاً لذلك اصدرت الوزارة في السابع عشر من يونيو 1941 مرسوماً بمحاكمة القائمين بحركة مايس غيابياً. وخلال ذلك سويت آخر الاشكاليات بين العراق وبريطانيا, ففي الرابع عشر من يونيو 1941 قدم السفير كورنواليس أوراق اعتماده الى الوصي. وفي الرابع عشر من يوليو 1941 القى الوصي خطاباً مهماً نقلته دار الإذاعة استعرض فيه تطورات الأحداث التي مرت بالبلاد, ملقياً مسئولية ما حدث على عاتق حركة مايس وان حكومته (ساهرة على صيانة استقلال البلاد وحريتها). واختتم خطابه بتهديد سافر لقوى المعارضة أكد فيه ان الحكومة ستقمع (كل من تحدثه نفسه الاخلال بالسكينة والراحة العامة.. شأن كل حكومة شريفة وحازمة في سياستها) وكما كان متوقعاً, استأثر خطاب الوصي باهتمام الصحافة العراقية فقد كرست صحف العاصمة, أياماً متتالية, صفحاتها الأولى للتعليق على فقرات متعددة منه كما استأثر الخطاب باهتمام بعض العواصم العربية, حيث أذيع في كل من القاهرة والقدس وعمان في آن واحد وعلق طه الهاشمي على خطاب الوصي في مذكراته قائلاً: (كان الوصي قد حيز للجانب البريطاني وهاجم المحور في بيانه الذي أصدره بعد عودته, بينما كان منصبه بمثابة نائب الملك يتطلب منه ان يبقى في هذه المعمعة على الحياد التام). على الرغم من اجراءات وزارة المدفعي في تصفية العناصر الوطنية, وامتثالها لرغبات السفارة البريطانية, الا ان السفير البريطاني كان يرى ضرورة اتباع سياسة اكثر تشدداً تجاه هذه العناصر, فدب الخلاف بين الجانبين, وادرك المدفعي انه لم يعد مرغوباً فيه من السفارة والوصي فآثر الانسحاب وقدم استقالته في الحادي والعشرين من سبتمبر , 1941 الا ان قبولها من الوصي تأخر ستة عشر يوماً حتى يتسنى للبريطانيين التداول في اختيار من يرونه مناسباً لتأليف الوزارة الجديدة. برز الى الواجهة, اسم ابراهيم كمال وزير المالية أفضل مرشح لرئاسة الوزارة الجديدة, من وجهة النظر البريطانية, فكلفه الوصي بالمهمة, الا ان هذا المرشح عجز عن تأليف الوزارة, لفشله في الحصول على تأييد كاف من السياسيين القدامى ولا سيما امتناع نوري السعيد عن التعاون معه, بالرغم من إلحاح الوصي عليه وبعد ابراهيم كمال توجهت انظار البريطانيين الى علي جودة الأيوبي فاستدعاه الوصي الى البلاط, وعهد اليه بتأليف الوزارة الجديدة, الا انه اعتذر ولم يكتب النجاح لمقترح آخر طرحه البريطانيون يقضي باسناد الوزارة الى الوزير الأسبق سامي شوكت. ان تخلي البريطانيين عن فكرة ترشيح ابراهيم كمال, ومن بعده سامي شوكت لرئاسة الوزارة المرتقبة, ورفض الأيوبي الاضطلاع بمهامها, فضلاً عن افتقار الميدان السياسي يومذاك الى أغلب رؤساء الوزارات السابقين, كل ذلك جعل من نوري السعيد موضع اعتماد الوصي وثقته, فأمر باستدعائه على جناح السرعة من القاهرة, حيث كان يشغل منصب وزير العراق المفوض, لتشكيل الوزارة. الوصي ووزارات السعيد عهد الوصي الى نوري السعيد في التاسع من اكتوبر بتأليف الوزارة الجديدة, التي ضمت بعض العناصر التي عرفت بولائها للبريطانيين, ومساندتها للوصي أثناء محنته. بدأت الوزارة مهام عملها بعد ان بين الوصي ملامح سياستها في خطاب العرش الذي افتتح به اجتماع مجلس الأمة في الأول من نوفمبر 1941. استهل الوصي خطابه بالتطرق الى حوادث عام 1941 فهاجمها ووصفها بـ (الحركة الطائشة) التي ألحقت بالبلاد (اضراراً فادحة) ودعا الجميع الى الاعتصام بالدستور, والتمسك بالقوانين, كما اكد الالتزام بمعاهدة التحالف مع بريطانيا والعمل على تنفيذها وتقوية العلاقات مع الأقطار العربية, والدول الصديقة المجاورة, وعلى الصعيد الداخلي دعا الوصي الى معالجة الأزمة الاقتصادية, والعمل على تقوية الجيش وتعزيزه, من خلال ازالة عوامل الضعف التي تسربت اليه في السنوات الاخيرة, والحيلولة دون تحوله الى (آلة بيد.. الذين يبعدون عن واجبه الأصلي النبيل) ثم اشار الى خطط الوزارة المستقبلية, وفي ختام خطابه شكر الوصي جميع الأقطار الشقيقة والصديقة التي وقفت مع العراق في (محنته الاخيرة). رسمت الأعمال المنجزة في عهد الوزارة السعيدية السادسة, على الصعيد الداخلي, ملامح سياسية هدفها الأول تصفية الحساب مع قادة حركة مايس وانصارها, وكان من الطبيعي ان تحظى هذه السياسة بتأييد الوصي الذي حقق من خلالها الكثير من رغباته, فبدأت الوزارة بمحاكمتهم غيابياً منذ اواخر نوفمبر 1941 بعد ان وجه اليه المجلس العرفي العسكري تهمتي (تعريض الوطن للأخطار بإحداثهم أزمات سياسية, وتجاسرهم على سلطة الرئيس الأعلى للدولة وعدم احترام العرش.. والتمرد وإساءة العلاقات مع الحليفة بريطانيا). اصدر المجلس العرفي العسكري في السادس من ديسمبر 1942 احكاماً غيابية, نالت رضا الوصي وارتياح لندن, لذا لم يكن من قبيل المصادفة, ان اعلن في لندن بعد مرور تسعة ايام على صدور تلك الأحكام عن منح ملك بريطانيا جورج السادس الوصي عبدالإله (الوسام الفخري من درجة فارس للصليب الأكبر) تعبيراً عن (رسوخ اواصر الصداقة الوثيقة بين المملكتين) كما جاء نصاً في الأسباب الموجبة لذلك التكريم.