استمعت ذات يوم لمحاضرة, تحدث فيها احد اساتذة جامعة الكويت عن مستويات الطلاب في الجامعة ودرجة اقبالهم على العلم, ولا اتذكر من تفاصيل محاضرته بشكل محدد سوى عبارته التي مازالت ثابتة في الذاكرة حيث قال: (أجزم ان 25% فقط من طلبة الجامعات العربية عليهم الاستمرار في الدراسة الاكاديمية, اما البقية فيتوجب البحث لهم عن فرص ومجالات اخرى قد تكون اكثر فائدة ومردودا لقدراتهم ومواهبهم وملكاتهم). وليس في الكلام اي نظرة سلبية أو اهانة لهؤلاء الطلاب, بل على العكس, فإن الطالب الذي يجبره أهله او ذهنية الوظيفة والشهادة الجامعية او غير ذلك من العوامل على ان يقضي من عمره مابين 4 ـ 6 سنوات في دراسة اكاديمية نظرية بحتة يتخرج منها بعد شق النفس وبتقدير ضعيف جدا, ثم يتخبط في العثور على وظيفة, هذا الطالب كان الاجدر به وبالاشخاص والجهات التي تقوم بعملية الارشاد والتوجيه لو اختصرت عليه المشوار ودرست نواحي اهتماماته وميوله وقدراته ووجهته نحو دراسة قد لا تستغرق اكثر من سنتين ربما, لكنها تخرج للمجتمع طاقة جيدة ومبدعة كأن يكون رسام كاريكاتير مثلا, او موسيقياً او مصوراً او فني كمبيوتر, او مصمم ديكور او حتى فني اعلانات على سبيل المثال! ان تجهيز الطلاب وتعبئتهم بفكرة واحدة تسير باتجاه واحد, يجعلهم اشخاصاً أحاديي النظرة, ضيقي الافق ومحدودي الخيارات, اضافة لتحويلهم الى مجرد نسخ متشابهة, يتخرجون من الثانوية بنسب ومجاميع متفاوتة, وبقدرات مختلفة, لكنهم يخضعون لنظام دراسة جامعية متشابه خاصة فيما يسمى بالتعليم الأساسي, هذا التعليم الذي لا يكشف عن مواهب وقدرات, بقدر ما يعيد حكاية تعليم وتلقين خضع لها هؤلاء الطلاب لمدة 12 سنة حتى نهاية الثانوية ولكن بدون نتيجة!! نحن لا نذم النظام, ولا نقلل من جهود المعلمين, ولكن ألا يكون غريباً وعجيباً أن يدرس الطالب منذ الصف الأول الابتدائي وحتى نهاية الصف الثالث الثانوي في مدارسنا الحكومية منهاج اللغة العربية والانجليزية والرياضيات مثلاً ثم يتخرج بتقدير اقل من 60% وربما اكثر من هذه النسبة بقليل, ويقبل في الجامعة ولكن ضمن برنامج (التعليم الأساسي)؟ ألا يكون ملفتا للنظر ان يعود لدراسة اساسيات اللغات والرياضيات التي سبق له ان امضى دراسته السابقة كلها وهو يدرسها؟ السؤال: ما هو السبب في هذه النتيجة؟ وعلى من تقع مسئولية هذا الهدر التربوي, المالي والعمري؟ اذن فلابد من الاعتراف بوجود خلل كبير جداً في بنية وتخطيط وتوجهات النظام التعليمي, وان هذا الخلل يقود حتماً لأخطاء يدفعها الطلاب وتدفعها الدولة وندفعها نحن من عمر التنمية في مجتمعنا, فمتى سيتم التفكير في مشروع تربوي متكامل يصنف ويوجه الطلاب فيما بعد الثانوية لتخصصات ودراسات ليست كلها ضمن قاعات ومدرجات الجامعة.