على غرار الجدات العجائز سوف يبقى أغلب محللي المشهد السياسي في الشرق الاوسط يراوحون في المنطقة ذاتها بين الخرف السياسي والدفع بالتفاؤلات الوهمية الى حافة التصديق والاعتماد على التنجيم وقراءة الكف والفنجان المقلوب, فما نقرأه لا يمكن ان يدخل في اطار التحليلات الثاقبة والراصدة لما وراء الحدث والمشهدية ذاتها.. هناك جموح كبير لدى المحللين العرب بالذات مدفوع بأن النصر مثلاً لا ريب فيه وانه آت وعلى أن دوام الحال من المحال وان الأيام ستنبئك بما لا تعلم وان... وان.. واخر ما ظهر علينا من تحليل في شخصية دموية مثل شارون من وجهة نظر عربية ان هذا الوحش وبعد سنوات طويلة من شرب دماء الابرياء ونهش اجسادهم والتلذذ برائحة اللحم البشري الذي (تشويه) قذائف الدبابات والطائرات حتماً سيتجه الى تحسين سلوكه وتصرفاته, وحتماً سيمل رائحة الشواء هذه, وان كبر سنه سيدفعه بالضرورة الى النكوص الى اصله البشري وبالتالي فإنه مقبل على تحسينات كبرى في سيرة حياته او ما تبقى له من أيام عمره, ليظهر على الأقل امام نفسه والعالم انه رجل سلام, وان كل تلك الشرور التي كانت تسكنه هي نتيجة صبيانية وحماسة شباب وعسكرية في بداياتها الاولى.. وبذلك وحسب وجهة النظر هذه فإن علينا ان ننتظر ان (تروق) أعصاب شارون وان يجنح الى السلم مدفوعاً بضريبة السن والمنصب والرغبة في حجز خانة في قائمة التاريخ للرجال الذين يقدمون خيراً للبشرية.. هكذا يقنعنا تحليل سياسي عربي بملامح ما قد سيؤول اليه الحال فيما لو اعتدل مارق مثل شارون.. الا ان محللي السياسة العرب وقارئي فنجان المتغيرات لا يقفون عند هذه الحدود من الخرف السياسي بل يذهب بعضهم الى حالات مثيرة من التفاؤل حول مستوى التقاربات العربية العربية واعدين بتغيير ملامح رقعة الشطرنج العربية وضدياتها ليتحول فجأة المشهد ذاته الى مساحة خضراء لأحلام اليقظة. المحلل السياسي العربي لا يختلف عن المحلل السياسي الغربي إلا من الناحية السايكلوجية, فالأول يقرأ فنجانه بعيداً عن الرقيب وهو بقدر ما يكشف للقارئ العادي بقدر ما يمارس على نفسه من كبت واستلاب للقدرية, اما المحلل الغربي فإنه يتوجه دائماً باتجاه ما يرضيه وما يقنعه فتقول هذا صائب في القراءة وذاك فاشل فيها.. والسؤال الذي يحيل نفسه الى الواجهة هو ما الذي يجعل المحلل السياسي العربي غارقاً في حالة من الخرف؟ وما الذي يدفع المحلل الغربي الى حالة من تصديق الأحلام؟ لا اجابة على سؤال من شقين ينحر كلاهما الآخر, لكن الحقيقة الواضحة تماماً ان محللينا السياسيين الأفاضل يعولون على ما عند الغير ويمارسون قراءة الفنجان وسط مناخات مقلقة ومجيرة ومستلبة. والا ما الذي يدفعنا الى التصديق بأن واحداً مثل شارون سيضطر في النهاية للتكفير عن سوءاته بالابتسام لأطفالنا وتقديم الحلوى النظيفة بدلاً من الكره!!