عرفت الناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو على مستويين, أولا كقارىء, والثاني اللقاء الشخصي, أما الأول فبدأ منذ سنوات طويلة ربما ترجع الى الثمانينيات, عندما بدأت دار توبقال في تقديم أعماله بالعربية بعد نشرها بالفرنسية التي يكتب بها, منذ ذلك الحين أترقب صدور أي عمل له, بمجرد اقتنائه أشرع على الفور في قراءته, مؤجلا الكتب الأخرى المدرجة في برنامج قراءاتي والذي يخضع لنظام صارم التزمه منذ أكثر من أربعين عاما. تحقق لي كتابات عبدالفتاح كيليطو متعة متعددة الآفاق, فهو دارس متمكن للتراث العربي, كما أنه ملم, مطلع على الكتابات النقدية والمناهج الغربية الحديثة خاصة في فرنسا, كما أنه أوتي موهبة التحليل والسرد الشيق, بحيث تحقق قراءة النقد الأدبي متعة لا تقل عن قراءة الابداع من رواية وشعر. آخر ما صدر باللغة العربية, (متاهات القول) كتاب مخصص لأبي العلاء المعري, يقدمه بهذا البيت الدال من شعره: فمالي لا أقولُ ولي لسانٌ وقد نطق الزمانُ بلا لسانٍ ترجع صلتي بأبي العلاء منذ أن قرأت رسالة الغفران, من تحقيق الدكتورة بنت الشاطىء, قرأتها في سن مبكرة, كنت في الخامسة عشرة, وأعدت قراءتها عدة مرات فيما بعد, ومنذ ذلك الحين أصبح أبو العلاء من الشخصيات المصاحبة لي, التي أداوم التفكير فيها, وأعايش آثارها, وتقوم بيني وبينها صلة عميقة رغم ما يفصلنا من زمن ومسافات يستحيل قطعها إلا بمطالعة ما خلفته تلك الشخصيات من آثار. تعرفت إذن عليه كناقد قبل أن أعرفه كشاعر, خصصت له ركنا في مكتبتي أضع فيه مؤلفاته كافة في طبعاتها المختلفة, رسالة الغفران مثلا حققها كامل كيلاني في ثلاثينيات القرن الماضي, ولها طبعة غير محققة من القرن التاسع عشر, ولكن بعد أن حققتها الدكتورة بنت الشاطىء أصبح من العبث قراءة أي طبعة أخرى أو تحقيق آخر, والى جانب المؤلفات تستقر الدراسات القديمة والحديثة, ومن أهم ما صدر عنه مجلد أشرف عليه الدكتور طه حسين طبع في عام خمسة وأربعين من القرن الماضي عنوانه (تعريف القدماء بأبي العلاء) يضم مجموعة من كتابات القدامى مرتبة حسب توالي الزمن, لطه حسين دراسة طويلة عنه بعنوان (رهين المحبسين), ودراسة أخرى بعنوان (مع أبي العلاء في سجنه), كما أنه صاحب الفضل في خروج آثار أبي العلاء محققة تحقيقا علميا, خاصة ديوانه المبكر (سقط الزند) الذي يقع في خمسة مجلدات, ويبدو أن طه حسين كان يجد في حالة أبي العلاء صدى لحاله هو, لذلك توحد به, فكلاهما أصيب بالعمى في سن مبكرة, وكلاهما تأمل في المصير والوجود. منذ عامين أعايش أهم آثار أبي العلاء, ديوان (اللزوميات), أقرأه مرارا, وحتى أتغلب على الملل من طبعة واحدة, وطول المدة في مصاحبة كتاب واحد, أقرأ أكثر من طبعة, الطبعة الأولى من اللزوميات صدرت عن مكتبة الخانجي في عشرينيات القرن الماضي, وتقع في مجلدين, أما الطبعة الأخرى فصادرة عن مركز تحقيق التراث الذي يشرف عليه الدكتور حسين نصار, لكنني أفضل الأولى لما فيها من شروح ضافية, وإحالات الى مصادر ونصوص أخرى, باختصار أقول ان أبا العلاء في لزومياته, من أعظم شعراء الانسانية, وأنه أدرك وفهم حقائق الوجود كما لم يدركها شاعر آخر, أو فيلسوف آخر, بعد أكثر من ألف عام, وبعد العديد من الدراسات, هل بقي شيء ليقال؟ نعم.. فالقراءة للنص الجيد مستمرة, دائمة, كل قراءة جديدة بمثابة اكتشاف, هذا ما تؤكده دراسة عبدالفتاح كيليطو الجديدة. عرفت كيليطو على المستوى الشخصي مرتين, الأولى أثناء توزيع جائزة المغرب الكبرى عام تسعة وثمانين في مراكش, وكان الحاصل عليها في هذه السنة, العلامة المغربي محمد المنوفي, أقيم حفل لتسليم الجائزة في مدينة مراكش, وحضره ولي العهد الأمير محمد ملك المغرب الآن, وخلال العشاء الذي تلى الحفل جلست الى مائدة كان جاري فيها عبدالفتاح كيليطو, حدثته باعجاب عما قرأته له, لاحظت خجله وانطواءه ونطقه القليل, وفيما بعد عرفت أن ذلك من سماته, لكن هذا النطق القليل يتحول الى فيض عندما يقف محاضرا في طلبته. بل ان أحدهم شبهه بالساحر, وهكذا يبدو في كتابته. المرة الثانية كانت في حفل لتوزيع جائزة الفرانكوفونية أيضا, كان ذلك عام خمسة وتسعين, وكان اللقاء في الرباط لكنه لم يستغرق كثيرا.. يكتب كيليطو بالعربية والفرنسية, كتابه هذا عن أبي العلاء كتبه بالعربية, وهو متمكن من كليهما.. الفرنسية والعربية. الفصل الأول من (متاهة القول) عنوانه (الفستق), يقول في مطلعه ان عمر الخيام نظم ذات مساء في ليلة فارسية بيته المشهور: فامش الهوينا إن هذا الثرى من أعين ساحرة الإحورار نظمه ودونه, ثم شخص ببصره بعيدا جهة الشام, كان الخيام يعلم أن هذا البيت يكاد أن يكون ترجمة حرفية لبيت أبي العلاء: خفف الوطأ ما أظن أديم الـ.. أرض إلا من هذه الأجساد انتحال؟ المسألة فيها نظر. ولكن الذي جرى أن المقلد (الخيام) تفوق على المبدع الأصلي وهو أبو العلاء, كيف؟ لماذا؟ يشرح كيليطو لنا ذلك, فالخيام أدخل تعديلا طفيفا على بيت المعري, بدلا من الأجساد الهامدة استحضر أعينا ساحرة الأحورار, وذكر الجزء مع إرادة الكل يسمى المجاز المرسل عند البلاغيين. وبقدر ما تظل الأجساد مبهمة وغير محددة فإن الأعين تبدو مفردة ومتميزة, إنها أعين مفتوحة ومبصرة, أعين حية تدنو اليك متضرعة كي لا تطأها وتذهب بحسنها. أي عيون أوحت الى الخيام بهذا البيت الذي يترنم به العرب أكثر مما يذكرون بيت شاعرهم العبقري المعري؟ يفاجئنا كيليطو باستنتاجه, يقول: (.. في لحظة ما تبين لي وعلى حين غرة وبشيء من الذهول, أنه كان يستحضر عيني المعري الذي فقد البصر وهو في سن الرابعة, تبين لي أن الخيام نظر الى العالم وانشأ شعره بعيني أبي العلاء, لقد حذا حذوه ومشى على أثره ووطأ بلطف جسده المسجي, مع الايماء الى العينين الغائبتين, إنها طريقة خفية وطريفة للثناء عليه, بفاصل قرن من الزمن, وفيما وراء المعنى الحرفي المباشر يؤكد بيت الخيام على الدين والامتنان وعرفان الجميل..). هكذا يكتشف كيليطو موقفاً للخيام لم يفكر فيه أحد من قبل, أما عنونة الفصل بالفستق فتلك قصة أخرى.