(وضع العربة أمام الحصان) مثل انجليزي يستدعى للفت الانتباه الى الاوضاع المعكوسة. فالحصان هو الذي يجر العربة (وليس العكس). والوضع المعكوس الذي تبناه رؤساء وممثلو نحو 40 دولة افريقية في اجتماع القمة الذي اختتم في مدينة (سرت) الليبية هو محاولة اقتباس الاجهزة الهيكلية للاتحاد الاوروبي لمشروع الاتحاد الافريقي قبل البدء في مراحل بناء الاسس التي يجب ان يقوم عليها الاتحاد الافريقي المزمع. لقد استغرقت عملية بناء الاتحاد الاوروبي اكثر من نصف قرن امتدت سنواتها الطويلة على مراحل زمنية متصلة لتوحيد السياسات التجارية واقامة منطقة تجارة حرة والدخول في مشاريع اقتصادية مشتركة وتوحيد نظم التبادل التجاري وتبني مشروعات للتكامل بين الموارد الرئيسية. وبعد اكتمال هذه المراحل عبر مسلسل من التجربة والخطأ والشد والجذب, وليس قبلها, ترسخت الاعمدة التي يقوم عليها البناء الاتحادي. وبعد ذلك فقط بدأ التفكير الاوروبي الجماعي في انشاء اجهزة تنظيمية لتسيير الاتحاد. الآن يبدأ تفكير القادة الافارقة من الآخر.. من النتائج النهائية لا من المقدمات الاولية الضرورية لتنشىء اجهزة عليا لاتحاد لم توضع اعمدته الاساسية بعد. وربما تقوم فعلا محكمة عدل افريقية ومجلس اقتصادي افريقي على مستوى وزاري ومجلس اعلى للاتحاد على مستوى رؤساء.. لكنها سوف تظل اجهزة هيكلية فارغة من أي محتوى.. وتبقى شكلا بلا مضمون. واذا كان بناء اسس الاتحاد في أوروبا استغرق نحو نصف قرن علماً بأن دول اوروبا الغربية متقدمة اقتصاديا فإن بناء اتحاد افريقي مماثل يتكون من دول متخلفة يجب ان يستغرق ضعف هذا الزمن على افتراض ان الدول الافريقية يتوافر لها الحد الادنى من حرية الارادة السياسية. لكن اذا كان هناك قاسم مشترك بين الدول الافريقية فهو انها ليست متحررة سياسيا رغم شكلية مظاهر الاستقلال. انظر في الازمات المزمنة التي تعصف بالشعوب الافريقية, وستجد انها كلها يمكن ان ترد الى جذر واحد. وفي مقدمة هذه الازمات المزمنة انتشار سوء التغذية والمجاعة وانتشار وباء الايدز الذي يفتك بأجيال كاملة ومتعاقبة من القوى البشرية الانتاجية وانهيار الخدمات التعليمية والصحية والامنية وانتشار البطالة وتآكل البنى الاساسية عموماً. ان كل هذه الازمات نتاج لسبب واحد هو افلاس الدولة, أو بالأحرى الشح المزمن في احتياطيات النقد الاجنبي في خزائن الدولة. وهذا الشح بدوره يرجع لسبب جذري واحد: الديون الخارجية. فعائدات الدولة تذهب سنويا لسداد هذه المديونية الاخطبوطية التي تزيد ولا تنقص. ولو ترك القادة الافارقة جانبا أي حديث خيالي عن الاتحاد الافريقي واجهزته التنظيمية وكرسوا فكرهم السياسي عوضا عن ذلك على ازمة الديون الخارجية لوضعوا اقدامهم على الطريق الصحيح الذي يفضي الى تحرير الارادة السياسية ــ الشرط الأول لقيام اي مشروع اتحادي. واذا بدا ان هذا هو المدخل الاسهل لمجابهة افريقية لأزمة القارة فإنه ليس كذلك. فالتصدي الافريقي الجماعي لمشكلة الديون سوف يضع الحكومات الافريقية وجها لوجه مع مجموعة الحكومات والمؤسسات والبنوك الغربية التي تشكل مجموعة الدائنين. لكنه يبقى الطريق الوحيد الى التحرر الاقتصادي.. الذي يفضي بدوره الى التحرر السياسي. وبإيجاز.. لن يقوم اتحاد ذو مضمون حقيقي بين مجموعة دول لا تزال خاصعة لاستعمار اجنبي اقتصادي.