بعد أقل من عامين, على الافراج عن الشيوعيين في عام 1964, تبددت أوهام الحزب الاشتراكي الموحد, الذي يجمع بين الماركسيين والناصريين, يقول عبدالستار الطويلة: بين 3000 شيوعي لم يدخل التنظيم الطليعي سوى 36 وترك الباقون عبثا يدقون باب الاتحاد الاشتراكي العربي. بل ورفض الاتحاد قبول بعضهم. ولم يكن ما حدث مصادفة, ولم يكن وليد ضغط الاجنحة اليمينية في السلطة كما كان الشيوعيون يفسرونه آنذاك, ولكن كان تعبيرا عن طبيعة زعامة (عبدالناصر) الذي كان حريصا على ان يهيمن على كل شيء وعلى ان يدمج الوطن الامة في شخصه, انطلاقا من يقينه الذي لا يتزعزع بأن احدا لا يستطيع ان يزايد على وطنيته او عروبته او يساريته. ولم يكن ذلك بعيدا عن الطريقة التي تعامل بها (عبدالناصر) مع كل التيارات التي لا يثق بها ولا يطمئن تماما الى ولائها لمجرد انها تمتلك رؤية ذاتية او يصعب عليها ان تدمج نفسها فيه كلية, لذلك ابتكر صيغة ديمقراطية خاصة بنظامه لا تزال سائدة الى اليوم فيما بات يعرف بصيغة (التعددية الحزبية المقيدة, فالتيار الذي يمثله هو (المتن) ولا مانع لديه ان تكون هناك (هوامش) صغيرة على هذا المتن بعضها ماركسي والآخر ليبرالي والثالث ثيوقراطي ــ وليست لديه مشكلة في ان يكفل لها بعضا من حرية النقد, في اطار التأييد, من دون ان يكون لها الحق في الاتصال المباشر بالجماهير أو في التنظيم لأن (التنظيم) يعني سلطة ولأن (عبدالناصر) لم يكن مستعدا لأن يترك احدا (يخبط منه البلد)! ذلك كلام لم يخفه, عبدالناصر لكنه قال علنا لأسرة تحرير (الطليعة) عندما التقى بها عام 1969 بمناسبة افتتاح مبنى (الاهرام) الجديد, اذ نصحهم بأن يقوموا بدور (سان بيتر) اي يكتفوا بالتبشير والتثقيف الثوري فقط, اما العمل السياسي المباشر او انشاء تنظيم مستقل فكلا.. والف كلا. وهكذا تفرغ (لطفي الخولي) للعمل بالصحافة وترك المحاماة والاشراف على (صفحة الرأي) ليرأس تحرير ( الطليعة). ويبدو انه كان هناك تصور ما , بأن (الطليعة) يمكن ان تجمع بين دور المجلة النظرية والمجلة السياسية لتنظيم (طليعة الاشتراكيين) الذي كان يجري بناؤه في ذلك الحين, وهو ما اشار اليه لطفي الخولي قائلا: ان عبدالناصر اعتقد ان مجلة (الطليعة) يمكن ان تكون (لسان حال تنظيمه الطليعي) ولكنه كان لدينا خط مستقل عن هذا التنظيم واحيانا خط نقدي.. وسمح عبدالناصر بهذا الاستقلال. ويغرق فؤاد مرسي بين مرحلتين من حياة ( الطليعة) استمرت الاولى منذ صدورها, وحتى ربيع عام 1966, كانت خلالها اسرة تحرير (الطليعة) تساند النظام, في الوقت الذي كانت تحاول فيه وضع تصورات على الورق, حول الاسلوب الامثل لبناء تنظيم (طليعة الاشتراكيين) كانت ترفع بها مذكرات الى عبدالناصر وهي مرحلة انتهت به الى اليقين بأن فكرة اندماج الشيوعيين مع الناصريين في حزب واحد, غير واردة لدى النظام, وان محاولة اقناع عبدالناصر بأهمية تنشيط التنظيم الطليعي هي محاولة ميئوس منها, أما والأمر كذلك, فقد انتقلت اسرة (الطليعة) منذ ابريل 1966 ــ الى المرحلة الثانية وقررت ان تتخذ منها (منبرا مستقلا) ــ وليس تنظيما مستقلا, وهو منبر يعمل (داخل النظام وفي اطار تأييده), ولكنه يتميز عنه, في (نظرته نحو متطلبات التنمية المستقلة التي تقود البلاد في اتجاه الاشتراكية). وكان لدى (الطليعة) طوال عهد عبدالناصر هامش محكوم من الحرية في التعبير, ربما يفوق غيرها في معالجة بعض القضايا لكنه لم يكن يتجاوز بالطبع الخطوط الحمراء التي لم يكن النظام الناصري يسمح لأحد بتجاوزها. ثم توسع هذا الهامش في عهد السادات وخاصة بعد رفع الرقابة عن الصحف في بداية العام 1974. وقد استثمرتها (الطليعة) على اوسع نطاق ممكن. في اطار مناورة مشروعة تنطلق من افتراض وهمي بأن السادات طرف محايد في الصراع الذي كان دائرا, بين قوى اليمين التي اخرجتها سياساته من تحت الارض, واخرجت اموالها من تحت البلاطة, وبين القوى التي كانت تحاول الحفاظ على خط عبدالناصر, واتخذت (الطليعة) من هذا الافتراض الذي لم يكن يصدقه احد حتى ولا هي نفسها ساترا للهجوم على هذه السياسات باعتبارها سياسات قوى اجتماعية تحاول حرف مسيرة الثورة, وليس باعتبارها سياسة السادات نفسه. في اطار هذه المناورة المشروعة تحولت (الطليعة) الى ما يشبه المجلة المعارضة, التي استبسلت في الدفاع عن سياسات عهد عبدالناصر على نحو لم يفعله غلاة الناصريين, الذين انضم كثيرون منهم الى السادات, بينما صمت الباقون جبنا او قهرا, مما يجعل الوداع غير الودي الذي ودعت به بعض الاقلام الناصرية, لطفي الخولي عند وفاته, نوعا من القسوة التي تتسم بعدم الانصاف وعدم الاتزان في تقييم ادوار الشخصيات العامة. وأضاف ذلك الى اقسام (الطليعة) قسما جديدا, هو (الرأي والرأي الآخر) خصصته للمجادلات السياسية مما زاد من حيويتها الصحفية والفكرية, فحققت انتشارا لم تحققه اية مطبوعة من نوعها في زمانها, الى ان وصل توزيعها في عام 1964 الى 16 الف نسخة ثم ارتفع بعد ذلك حتى وصل الى 32 الف نسخة شهرياً. كانت استفادة نظام يوليو من الماركسيين بشكل عام, ومن (الطليعة) كمنبر لهم يعملون في اطاره, كاملة, لذلك انتشروا خلال النصف الثاني من الستينيات في اجهزة اعلام وثقافة النظام ولم يكن ذلك بعيدا عن تخطيط النظام, الذي كان يهدف ــ كما نقل محمد سيد احمد عن هيكل ــ الى احتواء الماركسيين واستخدامهم في الوقت ذاته, باستيعاب طاقتهم للعمل العام بعد ان حلوا تنظيماتهم المستقلة, بإيهامهم بأنهم يشاركون بالفعل في انجاز مهام التحول نحو الاشتراكية. ولم يكن الماركسيون الذين قبلوا هذه الصيغة للتعاون مع النظام الناصري, غافلين عن انه يخطط لاستيعابهم واستخدامهم, لكنهم كانوا يعتقدون ــ كما يقول محمد سيد احمد ــ انهم يستوعبون عبدالناصر كما يستوعبهم ويستخدمونه كما يستخدمهم, ويكسبونه الى صفهم وعلى ارضيتهم كما يحاول هو ان يكسبهم الى صفه وعلى ارضيته, وهم الكاسبون في النهاية لأن التاريخ في صفهم. لكن موازين القوى كانت منذ الاساس مختلة, ليس فقط لأن نظام يوليو كان قد اصبح يهيمن على كل شيء في مصر, ضمن منظومة متكاملة من القهر تحول بين اي قوة سياسية وبين الاستقلال عنه, حتى لو لم تكن تعارضه, أو لأن عبدالناصر اصبح يتمتع بكاريزما على الصعيد الوطني والقومي والدولي, وكانت في ذاتها جانبا من جوانب هذا القهر, ولكن ــ كذلك ــ لأن النظام بسبب ظروف نشأته وأسلوبه في الحكم ــ كان ينطوي في داخله على مجموعات من الشلل المتناحرة على النفوذ وعلى التقرب من القمة تخفي اطماعها الشخصية عادة بأردية سياسية وايديولوجية, يغذي (عبدالناصر) نفسه الصراع فيما بينها كوسيلة من وسائل سيطرته على الجميع. ولم تكن (الطليعة) قد أكملت بعد عامها الثاني, حين اعتقل رئيس تحريرها لطفي الخولي وثلاثة من اعضاء مجلس مستشاريها هم د. ابراهيم سعد الدين ود. محمد الخفيف وأمين عزالدين ضمن حملة اعتقالات اكتوبر 1966, وكان الهدف المباشر للحملة, هو مجموعة من الشباب الذين كانوا يشكلون فرعا مصريا لـ (حركة القوميين العرب) قبل ان يحلوا الفرع اختياريا, وينضموا الى (منظمة الشباب الاشتراكي), ويصلوا الى عضوية اللجنة المركزية للمنظمة, حيث شكلوا ما يشبه المنبر المستقل داخلها, في الوقت الذي كان فيه مركز الحركة في بيروت قد بدأ يتخذ موقفا نقديا من النظام الناصري في اطار استمرار موقفها المؤيد له ويتجه نحو الأخذ بالماركسية كأيديولوجية للحركة. وتواكب ذلك مع صراع آخر نشأ بين الاتحاد الاشتراكي والمؤسسة العسكرية بقيادة المشير عامر, وصراع ثالث نشأ داخل الاتحاد بين علي صبري ــ الأمين العام له ــ وبين كمال رفعت أمين الدعوة والفكر, الذي كان قد أنشأ تنظيما باسم (الدعاة) يضم مسئولي الدعوة والفكر بوحدات الاتحاد متذرعاً بأن مسألة الدعوة تحتاج الى تنظيم يوجه مركزيا لا افقيا لضمان وحدة الفكر في الاتحاد, وهو ما اعتبره علي صبري الامين العام للاتحاد محاولة لانشاء تنظيم مواز تحت قيادة كمال رفعت, وقد شملت الحملة عناصر من هذه المنظمات جميعها, فضلا عن بقايا تنظيم شيوعي كان قد تحلل ولكنه لم يكن قد حل نفسه, هو (وحدة الشيوعيين). ومع ان احتجاز الخولي والمستشارين الثلاثة لم يستمر سوى ساعات, حقق معهم خلالها وزير الداخلية وأمين التنظيم شعراوي جمعة الا ان الحملة بمجملها كانت اشارة انذار واضحة الدلالة الى ان اساليب الاعتقال والفصل والتعذيب والتجميد لا تزال سارية المفعول تترصد كل من يفكر في تحويل خطة (الاستيعاب والاستخدام) الى خطة للاستيعاب والاستخدام المتبادل. ولأن (الطليعة) ومجموعة الماركسيين المستقلين التي كانت تعمل بها كانوا ينشطون في اطار اتفاق مع ــ وفي ظل رعاية وحماية ــ محمد حسنين هيكل احد اقوى اجنحة السلطة الناصرية, فقد كان طبيعيا ان يتعرضوا بين الحين والآخر للآثار السلبية للصراع بين هيكل وبين بقية الاجنحة, التي كانت مكانة هيكل لدى عبدالناصر تستثير غيظها وحسدها, وفي واحدة من تجليات هذا الصراع, اعتقل الدكتور جمال العطيفي ــ عضو مجلس مستشاري تحرير (الطليعة) ــ لمدة اسبوع, بسبب مقال نشرته له (الاهرام) ينتقد فيه تكرار ظاهرة اغفال نشر بعض القوانين في الجريدة الرسمية أو التراخي في نشرها أو اعطاء تاريخ للنشر مغاير للتاريخ الحقيقي. وكان من تجليات هذا الصراع كذلك, القرار المفاجىء الذي اصدره عبدالناصر بتعيين محمد حسنين هيكل وزيرا للاعلام في ابريل 1970, من دون موافقتها, أو حتى اخطاره فيما اعتبره هيكل ضربة لنفوذه تضعف من قدرته على المناورة وتضعه تحت سلطة الرقابة الشعبية في مجلس الشعب.. وتمهد فيما بعد لفقده لمنصبه العتيد في (الاهرام) على الرغم من ان عبدالناصر كان قد سمح له بالجمع بين المنصبين. وربما لهذا السبب شجع هيكل من طرف خفي الكاتب الكبير توفيق الحكيم على ان يكتب رسالة للرئيس عبدالناصر ينتقد فيها نقل هيكل من مجال القلم الى مجال السلطة, مؤكدا ان بقاءه على رأس (الاهرام) يحتفظ لها باستقلالها ولأقلامها بحريتها وبقدرتها على طرح الحقائق, وبالتالي بثقة الناس فيها, مما يجعلها قادرة على معالجة الرأي العام, بأفضل مما تستطيع ان تفعله اجهزة الدعاية الرسمية. وكان لطفي الخولي من بين الذين شجعوا توفيق الحكيم على كتابة الرسالة, التي سلمت الى حاتم صادق ــ زوج ابنة الرئيس ــ لإيصالها اليه. كما كان الحكيم قد اطلع نوال المحلاوي مديرة مكتب هيكل على الرسالة, فاحتفظت بصورة منها, وكان ما ورد بها موضوع حوار دار في منزل لطفي الخولي بينه وبين نوال المحلاوي ابان زيارة عائلية قامت بها ــ هي وزوجها له ولزوجته, تطرق الى انتقاد اسلوب عبدالناصر غير الديمقراطي في اتخاذ قراراته, وقامت اجهزة الامن بتسجيله, فأمر عبدالناصر باعتقال الاربعة, حيث امضى لطفي الخولي عدة شهور رهن الاعتقال, ولم يفرج عنه الا بعد شهور من وفاة عبدالناصر, ورفع اسمه من ترويسة (الطليعة) كرئيس لتحريرها ــ وقام أبوسيف يوسف بعمله ــ وعلى الرغم من الافراج عنه في بداية 1971, الا انه لم يعد لممارسة عمله الا بعد احداث 15 مايو 1971. وهكذا انتهت الحقبة الناصرية من دون ان يحقق احد من اطراف لعبة الاستيعاب المتبادل هدفه, وظلت العلاقة بين اليسار الناصري واليسار الماركسي اقرب الى العلاقة بين قطبين متنافرين وبين مواطنين من الدرجة الاولى ومواطنين من الدرجة الثانية, بل وتفشى الصراع بين شلل اليسار الناصري بسبب الصراع على النفوذ وتفشي الصراع داخل شلل اليسار الماركسي. ان لم يكن بسبب الصراعات الموروثة, فنتيجة لتعدد الرعاة الناصريين التي تعمل كل شلة في ظلها. ومع ان اليسار االناصري دعم بنشاط الاتجاه نحو ترشيح انور السادات لرئاسة الجمهورية في اعقاب وفاة عبدالناصر ودعا حلفاءه من اليساريين الماركسيين الى مشاركته في ذلك, متذرعا برغبته في سد الباب امام قفز شخصيات يمينية مثل زكريا محيي الدين وعبداللطيف البغدادي على السلطة الا ان السبب الحقيقي وراء ذلك كان توهم قادة اليسار الناصري ان السادات اساسا قيادي وانهم يستطيعون ان يحكموا من خلاله, لكن السادات الذي ضاق بمحاولتهم مشاركته سلطته قرر ان يضربهم في نقطة الضعف الرئيسية, وهي قضية الحريات الديمقراطية. وكان السادات يملك من الخبرة السياسية ومن الذكاء ما دفعه لأن يمد يده لليسار الماركسي داعيا اياه لكي يتحالف معه وبشروط افضل من الشروط التي فرضت عليه في عهد عبدالناصر فاختار عددا من اقطابه اعضاء في لجنة المئة التي اشرفت على اعادة بناء الاتحاد الاشتراكي من القاعدة الى القمة بعد حركة 15 مايو, ورفعت هذه اللجنة العزل السياسي عن بقية الشيوعيين, ثم اختار بعد ذلك اثنين منهم ــ د. فؤاد مرسي ود. اسماعيل صبر عبدالله ـ وزيرين, فضلا عن ثقل خاص لهم في الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي. (للدراسة بقية)