سُكب مداد كثير حتى الآن من اقلام عربية عقب اعلان مصر انها سوف ترشح عمرو موسى وزير خارجيتها امينا عاما للجامعة العربية بديلا عن امينها الحالي الدكتور عصمت عبدالمجيد الذي امضى دورتين في عمله. وقد انطلقت شرارة الترشيحات منذ ان كتب السياسي والمفكر المصري الدكتور مصطفى الفقي منذ اسابيع مقالا يطلب فيه تمديد فترة الدكتور عبدالمجيد سنتين مقبلتين, ومنذ ذلك التاريخ تقاطرت اسماء المرشحين, وكان الأكثر ترديدا من بينهم رئيس الوزراء اليمني الاسبق محسن العيني, الا ان ترشيح عمرو موسى قد قطع الشك باليقين. ليس الترشيح هو المهم, فقد اعتبرت كثير من الاوساط ان عمرو موسى الدبلوماسي المخضرم هو بالفعل الذي سيصبح امينا عاما لجامعة الدول العربية شهر مايو المقبل, الا ان السؤال الذي يجب طرحه هو: ماذا يمكن ان يضيف عمرو موسى الى هذا المنصب, وماذا يمكن ان يفقده, خاصة انه الآن يقف بين سيفين حادين, فأينما تقلب يمينا أو يسارا فالأمر خطير ومؤلم؟ عمرو موسى اليوم, وبصفته وزيرا لخارجية مصر في السنوات العشر الماضية, ونتيجة لخبرته وماضيه, قد حاز كثيرا من الشعبية في الشارع السياسي العربي نتيجة لمواقفه تجاه بعض القضايا الجوهرية, وخاصة القضية الفلسطينية, الى درجة ان الاشاعات رشحته في وقت ما لأن يصبح نائبا لرئيس الجمهورية المصري, كما ان المزاج الشعبي والمصري خاصة قد اوصله الى درجة كبيرة من الشهرة الى حد اطلاق اغنية شعبية حوله. وهو, لحنكته السياسية في وسط كبير من البيروقراطيين, قد استطاع ان يكتسب لنفسه هذه السمعة السياسية الطيبة, بعد المناظرات التي اجراها مع سياسيين اسرائيليين او غربيين تجاه القضية الفلسطينية تحديدا. لقد كانت هذه المواقف أو معظمها هي ترجمة ــ وربما تكون متحمسة ــ لرأي الادارة العليا المصرية, خاصة مؤسسة الرئاسة. فعمرو موسى خدم ابان العهد الناصري, وكان ناصريا متحمسا, كما ظهرت مواهبه اكثر ابان العهد الساداتي, والحق يقال انه كان مدافعا موفقا وقتها عن تلك السياسات التي ارتضاها الرئيس السادات في معظم سني السبعينيات, ثم اصبح مدافعا بشيء من الابتكار عن سياسة الرئيس مبارك. في كل هذه الخطوات الطويلة, والتي لم تكن لتخلو من صراع بيروقراطي متوقع في دوائر البيروقراطية العليا, كان لعمرو موسى ــ كما يُفترض ــ رئيس واحد. فقد يقرر الرئيس بنفسه الوجهة السياسية, او يقبل ما يقترحه عليه مستشاروه أو وزير الخارجية الدينامي, ثم يترك التفاصيل للتنفيذ لهذا الوزير وجهازه حسب معطيات الواقع الموضوعي, او كما يقول العسكريون حسب تطور ساحة المعركة الفعلية. اما عمرو موسى بصفته أمينا عاما للجامعة العربية, فإن أول ما سيواجهه هو ان لديه اكثر من عشرين رئيسا بعشرين رأيا, في الغالب غير متفقة على شيء باستثناء اتفاقها على عدم الاتفاق (!), وهنا يجدر ان نتذكر الحكمة الغربية التي تقول (لا يهم ان تكون الكنائس صغيرة, إذا وفرت قديسين كبارا), حيث ان هذه الحكمة لا تنطبق هنا, فالقديس هو القائد أو المستشار الفرد. اما ما سيلاقيه عمرو موسى في رحاب الجامعة فهو ان هناك عددا كبيرا من القديسين, كل منهم يدعي الورع والحكمة والقول الفصل. لقد اشتكى عدد كبير من الامناء العامين للجامعة العربية من الوضع البيروقراطي لهذه المؤسسة, وتُبين لنا تصريحات الامناء الاربعة الذين سبقوا عمرو موسى وبعض مذكراتهم, كم هو امر صعب قيادة هذه الجامعة, منذ الأمين العام الاول عبدالرحمن باشا عزام حتى الأمين الرابع الدكتور عصمت عبدالمجيد, ويجدر ان نلاحظ ان اثنين من الاربعة تركا المنصب بالاستقالة. كما ان الامين العام الاخير الدكتور عصمت عبدالمجيد له تصريح مشهور منذ سنوات اطلقه في ندوة فكرية في العاصمة الاماراتية ابوظبي, ربما تحت تأثير حالة من القنوط, قال فيه ما معناه: ان كل قرارات الجامعة العربية حبر على ورق. اما مذكرات بعض السادة الامناء العامين السابقين فهي لا تخلو من الفكاهة المرة, خاصة عندما يواجهون بقطاعات شعبية تظن ان التقصير القائم انما هو صادر من اشخاص الامناء وطريقة عملهم, وليس من تركيبة الجامعة نفسها, من حيث هي محصلة مجموعة من القوى, وليس قوة بذاتها. لقد ساعدت الظروف بعض الامناء على تأدية عملهم, سواء في مرحلة فورة المد القومي أو في بداية التغيرات العربية, اما اليوم فإن الوضع العربي صار اكثر تعقيدا واقل مرونة ووضوحاً. المؤكد ان عمرو موسى, كوزير لخارجية مصر, هو اقوى منه امينا عاما للجامعة العربية, فقد جاء جميع الامناء العامين بسبب خبراتهم الطويلة في العمل الدبلوماسي والسياسي, ولكنهم جاءوا بدعم من بلادهم اقوى مما هو ظاهر على الاقل في ترشيح موسى. فالقرار كان مفاجئاً للكثيرين, خاصة انه راجت اشاعات قد لا يكون لها نصيب كبير من الصحة, ولكنها وجدت لها استجابة لدى الضمير الشعبي, وقد نشر بعضها, ومنها ان عمرو موسى كوزير للخارجية المصرية ــ وهو ينحو منحى الصقور في تنفيذ عمله ـ قد اصبح غير مرغوب فيه من قبل بعض القوى, هذا الرأي نقل عن مصادر امريكية واخرى غيرها, بل ان البعض يعتبره (ناصريا) بكل ما تعني الكلمة من معنى, ولا اعتقد ان ذلك صحيح بنسبة كبيرة. فكل الدلائل تقول ان عمرو موسى منفذ جيد للسياسات المتفق عليها, وربما ينفذ بعضها بقدر من الحماس, ولكن ميزة (الاتفاق) التي جعلت من عمرو موسى شخصية قادرة على التأثير سوف يفتقدها الرجل كثيرا اذا تقلد الامانة العامة للجامعة العربية. بيت القصيد في هذا الامر, ان عمرو موسى لو كان قادما للمنصب تمهيدا لافراغ مكانه لشخصية اخرى (وإن كان هذا سببا ضعيفا), فهو يفتقد الدافعية التي يمكن ان تقدمها دولة المقر للامين العام في وضع يقف فيه التوافق العربي في اقل مستوى له, ولا شك في ان هذا الافتقاد للدافعية يقلل من فعالية الرجل ويقيد خطواته, ولعل احد تفسيرات ترشيحه تأخذنا الى ذلك المسرب, فقد نشر ان ترشيح عمرو موسى ليتسلم الامانة العامة للجامعة العربية, هو (قرار اضطراري... لمنع انقسام عربي). مشكلات وصعاب الأمين العام القادم لا تنتهي, فأمامه محاولة تحديث جهاز, اختير كثير من افراده رغبة في التخلص منهم في اوطانهم, وليس بسبب الرغبة في دفع العمل العربي المشترك الى الافضل, فهم رجال اما انهم تخلفوا عن الحظوة واما ان آخرين يريدون ابعاد (شرهم) عن الساحة المحلية. وتحولت المؤسسة الى مؤسسة ايوائية في اسوأ الحالات أو ادارية في احسنها, بالرغم من ان المنوط بها ان تكون مؤسسة سياسية في المقام الأول. اما المشكلات الاصعب فهي الوضع العربي الراهن, وفي جوهره القضايا الرئيسية العالقة, ومنها مثلاً الموضوع الفلسطيني. لقد كان بإمكان عمرو موسى بصفته وزيرا للخارجية المصرية ان يصرح ويعلن ما اتفق عليه مصريا تجاه القضية الفلسطينية, ثم يذهب ليتريض أو ينام مستقر البال موقنا ان ذلك لن يغيره احد, أو لن يتعرض لأي مفاجأة, ولكنه لا يستطيع ان يفعل ذلك بوصفه امينا عاما للجامعة, فعليه اولا ان يوائم بين القصور والحمائم في الفضاء العربي السياسي وفي الفضاء الفلسطيني خاصة, وهي مهمة صعبة بحد ذاتها. ثم لو افترضنا انه استطاع انجاز هذه المهمة الاخيرة (باقامة اتفاق بين جانبين فلسطينيين أو أكثر) فسوف يفاجأ قبل أن تنقل كل وكالات الانباء بعض تصريحاته. بأن جناحا فلسطينيا قد وصل الى اتفاق ــ ربما مع اسرائيل, ومن ابواب خلفية ــ يخالف ما صرح به (!). انها معضلة عدم التوافق العربي على الحد الادنى الى درجة افتقاد الفاعلية, والدوران في الدائرة المغلقة نفسها. القضايا العربية لا تنحصر في قضية فلسطين أو العراق أو حتى الخلاف بين المغرب والجزائر, بل هي قضايا متعددة ومركبة. والسياسي المصري عمرو موسى المحنك والفطن لن ينقل شخصية عمرو موسى وزير الخارجية المصري التي تشكلت في السنوات العشر الماضية الى الامانة العامة للجامعة, مثلما فعل عمرو موسى ذاته مع سياسة عبدالناصر او بشكل اكثر وضوحا مع السادات, فهو كشخص اكثر دراية وذكاء من ذلك. والتاريخ علمنا انه لا يمكن نقل رسائل جديدة الا بعزائم متجددة, وعمرو موسى لا تنقصه العزيمة, لكن ما يمكن ان يخذله ــ ولو جزئيا ــ هو النظام المعقد لجامعة عربية نريد منها كل شيء ولا نعطيها اي شيء, كما يمكن ان تخذله بيروقراطية في الخارجية المصرية لا تفهم دوره الجديد, أو ربما تفهمه, ولكن لا تريد له ان يحقق فيه نجاحا, ومن ثم لن تقدم له العون المطلوب. لعل افضل نصيحة يمكن ان تقدم للأمين العام القادم ان يعمل على خلق رأي عام عربي مناصر للجامعة العربية ما امكنه ذلك. وأيا كان السيناريو المقبل للجامعة العربية فإن الموازنة بين الآمال العظام والتبعات الجسام مهمة شاقة... فكان الله في عون موسى. أمين عام المجلس الوطني _ للثقافة والفنون والآداب بالكويت