بمجرد حدوث عملية استشهادية فدائية يموت فيها عدد من اليهود, ويصاب عدد آخر, تحدث في آخر الدنيا, هناك في واشنطن دي ــ سي عاصمة الولايات المتحدة, وتحديدا في شارع بنسلفانيا حيث يقع مبنى البيت الابيض حركة غير عادية تماماً! ففي غمضة عين, وقبل أن يظهر تصريح او بيان حكومة الكيان الصهيوني حول الحادث, تكون محطات التلفزة الامريكية قد أحصت عدد القتلى والجرحى, وحددت مدى اصابتهم, وعناوينهم واسماءهم وساعدت ربما في القبض على مرتكب الحادث! بينما يكون البيت الابيض في هرج ومرج يعد بيانا حزينا شديد الوقع والتأثير.. وفجأة يظهر الرئيس الامريكي امام منصة الرئاسة قبالة المدخل الرئيسي للبيت الابيض ليقرأ امام حشود الصحافة والاعلام, بيان العزاء المؤثر للشعب الاسرائيلي وللحكومة ولأسر الضحايا, مذكرا بمسئولية الفلسطينيين عن تزايد موجة العنف في المنطقة! ومحملاً السلطة مغبة هذا الارهاب!! هذا المشهد يتكرر بشكل مسرحي محفوظ ومعلوم, ومتوقع من قبل أصغر مواطن في الشارع العربي, وبالتأكيد فهذا المواطن العربي الذي يقتات اخبار السياسة العربية والدولية اكثر مما يقتات الخبز واللحم, لا يسأل نفسه: لماذا لا يفعل الرئيس الامريكي الشيء نفسه عندما تتفجر القنابل على رؤوس الابرياء في المنازل الفلسطينية واللبنانية والعراقية؟ وعندما تهشم عظام الصبية الفلسطينيين في شوارع الضفة وغزة على يد الجنود الصهاينة؟ وعندما تهدم المنازل على رؤوس ساكنيها, وتسرق الاراضي وتحرق المزارع وتقلع اشجار الزيتون والليمون؟ هو لا يسأل لانه ذكي بما فيه الكفاية! انه ذكي, لكنه ليس ارهابياً ولا قاتلا بأي حال من الاحوال! نحن شعوب لا تحب القتل, ولا تهوى التدمير وازهاق الارواح نحن شعوب مسالمة, ومحبة للسلام, وبالتأكيد فنحن شعوب ولدنا من عمق السنين وجئنا من حضارات انسانية ذات آثار ودلائل وشواهد, حضارات ارتكزت على البناء وراكمت في مسيرة البشرية فتوحات وكشوفات ومدناً واختراعات صبت كلها في قلب الخير وازدهار الانسان ورقي حياته.. لم يأت انسان الحضارة العربية والاسلامية من عروق الحروب الطبقية, ولم تنسكب في شرايينه لوثات وامراض التمييز العنصري وتجارة الرقيق والقضاء على حضارات الاخرين وسلب ممتلكاتهم واراضيهم وادعاء ملكيتها.. نحن شعوب لم نولد من ثقافة الكذب والسرقة ومصادرة حقوق الآخرين. ولأننا شعوب مسالمة وخيرة بالفطرة والتاريخ وشهادة الحضارة, فنحن لم ننتج وسائل الدمار, ولم نتفوق في صناعة المبيدات وتكنولوجيا اجتثاث الآخرين وابادتهم, ولم نكرس نظرية تفوق العنصر الابيض واولوية مصالحه.. ومع ذلك فإن المبتلين بعار القرون والحضارات يحاولون بأموالهم وقوتهم واسلحتهم ونفوذهم ان يغسلوا عارهم وبشاعاتهم وادرانهم بالقائها في افنية بيوتنا وعقول ابنائنا.. نحن متأكدون بأننا لسنا ارهابيين, ولسنا قتلة, ولسنا محبي دمار وابادة .. لكن المبدأ يقول: ان كل فعل له ردة فعل موازية له في القوة ومضادة له في الاتجاه! وهذا ما يحدث تماما في فلسطين. ياسر عرفات واركان حكومته لا علاقة لهم بالعمليات الاستشهادية وان كانت لهم علاقة فلا عيب في ذلك, انها عمليات استرداد حقوق فاتورتها طويلة وثقيلة جدا, وعلى حكومة الكيان ان تدفعها حتى آخر فلس وآخر نفس! والحساب طويل, ويبدو ان الايام المقبلة ستكون جولات ثأر وليس مفاوضات, والرئيس الامريكي سيقف على منصته كثيراً على ما يبدو ليلقي ببيانات العزاء! هكذا أرادوا هم, ومن يزرع الريح لا يجني سوى العاصفة!