فى ميعة الصبا ومطالع الشباب كنا نلتهم الكتب ونحفظ مطولات الشعر عن ظهر قلب لا نكاد نفرق بين معلقة زهير وبين قصيدة نزار الشهيرة بعنوان (خبز وحشيش وقمر). يومها افضت بنا سورة الصبا اليافع إلى أن ننقد كل شئ.. ولايكاد يعجبنا العجب ولا الصيام فى رجب كما يقولون. هنالك كنا نتندر على شاعر عربى كبير غنت له أم كلثوم وكان عند قومه فى درجة رفيعة وله في وطنه مكانة عالية.. وعندما عرفنا أنه اتخذ لنفسه وصف (الشاعر المحروم) لقبا أدبيا له.. ثارت ثائرتنا متسائلين: إذا كان صاحبنا محروما فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟ نفس الموقف كنا نتخذه من بعض أشعار أحمد رامي.. أو فلنقل أننا كنا نعيش مما قد يشوب شعره الرقيق الجميل من هنات أو كبوات ــ أو هكذا كنا نتصورها ــ المهم كنا نردد صدر بيته الشهير فى (رباعيات الخيام) يقول فيه: فكم توالى الليل.. بعد النهار ونتساءل فى سخرية: وماذا فى ذلك.. أن يتوالى الليل.. بعد النهار ؟ وحين زار جان بول سارتر القاهرة فى عقد الستينيات ردد مريدوه ومعجبوه محور فلسفته الوجودية التى كانت تقول (أن وجود الإنسان هو الحقيقة الأساس فى العالم وأنه سابق بالطبع على ماهية الإنسان بمعنى جوهره أو شخصيته أو مضمون حياته). يومها كنا نردد فى سخرية غير مسئولة تتلاعب بالألفاظ باعتبار أن الكلام ليس عليه جمارك ـ كما يقولون أيضا أو فلوس ــ حيث نقابل بين نقطة الماهية (فى معناها الفلسفى أو المنطقي) وبين الماهية بمعنى المرتب, المعاش الشهرى الذى يتقاضاه الإنسان يقول قائلنا بما يشبه الاستهبال (عمنا سارتر يقول: الوجود قبل الماهية طيب.. احرم أى واحد من الماهية وشوف ماذا عساه يفعل بحكاية الوجود فى إطار هذا الموقف الشبابى الذى يحاول أن ينقد كل شئ ويسخر من أى شيء) كنا فى حالة غيظ ـ لعله كان غيظا طبقيا ــ من مترجمى حياة أحمد شوقى أمير شعراء العصر الحديث.. كنا نتساءل: كيف يجسرون على القول: ان شوقى ظل يكابد عذابات المنفى فى ربوع الأندلس الأسبانى على امتداد خمس سنوات أو تزيد. نعم كنا فى حالة استفزاز من حكاية العذابات فى الأطلنطى الأسبانى يكابدها شوقى بيك ومعه أبناؤه وعقيلته وبعض خدمه وحاشيته وكان لسان حالنا يقول: اللهم أرزقنا منفى نكابد عذاباته فى أسبانيا أو إيطاليا أو على أقل القليل فى إحدى جزر المتوسط.. المهم أن نمارس متعة السفر والرحلة ونبدل الهواء والسكن ونشوف الدنيا حتى ولو من أبواب النفى.. شريطة أن يكون على غرار منفى الشاعر شوقى أو قريبا منه فى أهون الأحوال. وما نبرىء أنفسنا, ظل هذا التصور بسخريته الموروثة من سنوات الصبا ملازما للعبد الفقير إلى أن قادتنا أحاديث سبقت فى الاستراحة إلى الوقوف مليا عند مرحلة المنفى الأندلسية فى حياة الشاعر العربى الكبير. بعدها أدركنا أن الله حق.. وأننا كنا نظلم الرجل وأن حياته فى المنفى الأسبانى لم تكن رخية هانئة رغدة ميسورة على طول الخط.. كما كانت تصورها لنا أوهام الشباب. تعلمنا من باحث رصين هو الدكتور ماهر حسن فهمى أن شوقى كان يتلقى راتبا تحدده السلطة العسكرية البريطانية المحتلة ولم يكن الراتب المحدود ليتحمل نفقات الفندق الذى أنزل فيه أسرته فى برشلونة مما دعا الشاعر إلى التماس منزل أيسر أجرا وأرخص نفقة. وتعلمنا أيضا أن السلطة المحتلة قطعت عن شوقى بيك هذا الراتب المحدود على مدى ستة أشهر كاملة حتى أضطر الشاعر الكبير إلى أن يبيع مصاغ زوجته وابنته وفى هذا يقول كتاب (أندلسيات شوقي) ان ما كان معه من مال قليل أوشك على النفاد فهل يتضور أبناؤه جوعا؟ هل يستجدى؟ وزاد الطين بلة أن نشرت صحيفة إنجليزية خبرا عن شاعر عربى كبير مقيم فى أسبانيا يحرض عرب مراكش المغرب على محاربة الحلفاء خلال الحرب العظمى الأولى وكان أن نال الشاعر من جرائه عنتا كبيرا أدى كما المحنا إلى قطع مورد عيشه ورزق عياله. ثم أن أحمد شوقى لما كان قد أوفى على الخمسين, وهو عمر كان أقرب إلى الشيخوخة بمقاييس تلك الأيام, فما بالك ونحن نتحدث عن شاعر القصر..جليس الأمراء.. ربيب الخديوي, من حكام مصر المحروسة, خريج باريس.. ساكن القصور والسرايات. وها هو يكاد يتعرض إلى حالة الاستجداء.. ناهيك عن حالة الحنين إلى الوطن.. وهو ليس شوقا مدنفا إلى سكنى القصر أو رغد العيش فى كنف الأمير.. أنه حنين إلى معنى الوطن.. مسقط الرأس مناط الذكريات ملاعب الصبا ومدارج الشباب. مع كل هذا.. كان المنفى تجربة قاسية انصهر فى بوتقتها معدن الرجل بل وكانت خيرا فى التحليل الأخير بالنسبة لابداعه الشعري. هكذا يصدق على أحمد شوقي المقولة الشعرية مع بعض التعديل: (حتى على النفي لا أنجو من الحسد). ها هو استاذنا شوقى ضيف (فى كتابه عن شوقى: شاعر العصر الحديث) يقول ان شوقى فى المنفى وقد خلعت عنه ربة الشعر الحلة الرسمية وخرج من الحياة الضيقة التى كان يعيشها فى القصر.. ولم يعد شعره مقصورا على المديح.. ولا عادت الحياة سارة بهيجة (أو خالية البال) مثل الكأس التى وصفها بقوله: حف كأسها الحبب فهى فضة ذهب لقد حف الكأس دموع غزار وأنات طوال, كما يضيف شوقى ضيف واستيقظت روح الشاعر بعد سبات طويل. ونضيف نحن أن من هذه الدموع الغزار ما كان يترجم حنين الشاعر إلى مصر والنيل والأهل والخلان.. ها هو يورد ضمن داليته الشهيرة التى عارض بها ابن زيدون أبياتا أرسلها إلى صديقه الشاعر حافظ إبراهيم وقال فيها: يا ساكنى مصر انا لا نزال على عهد الوفاء, وان غبتم, مقيمينا هلا بعثتم لنا من ماء نهركم شيئا نبل به أحشاء صادينا كل المناهل بعد النيل آسنة ما أبعد النيل, إلا عن امانينا بعدها جاوبه شاعر النيل حافظ ابراهيم: عجبت للنيل يدري أن بلبله صاد, ويسقى ربى مصر ويسقينا والله ما طاب للأصحاب مورده ولا ارتضوا بعدكم من عيشهم لينا لم تنا عنه وأن فارقت شاطئه وقد نأينا وان كنا مقيمينا ذلك عزيزنا القارئ الكريم ان تمعين التأمل فى الجمال الشامخ الجليل الذى توصي به كلمات البيت الأخير لحافظ إبراهيم. ثم جاء الفرج.. وكان فرجا نسبيا كما قد تقول. وضعت الحرب العظمى أوزارها. وأعلنت الهدنة بين المتحاربين عام 1918.. وأصبح من حق شوقى وعائلته أن يتجولوا فى ربوع أسبانيا والأندلس كيف يشاؤون.. وما كان للشاعر الكبير, وقد صهرته آلام التجربة, أن يسلم النفس إلى مجرد النزهة أو مطلق المتعة بما يرى فى تلك الربوع الجميلة.. لقد زار قرطبة وأشبيلية وغرناطة.. فارا وجذوة الحنين تتقد بين جوانحه.. وكان حنينا عبر الزمان يهفو إلى مجد الإسلام والعروبة فى الأندلس التى كانت زاهدة وعبر المكان يهفو إلى وطنه الواقع على ضفاف نهر النيل.. هنالك ابدع أحمد شوقى قصيدته السينية التي هى من روائع معارضاته وقد جاءت تعارض سينية البحتري التى يقول الشاعر العباسى فى مطلعها: صنت نفسي عما يدنس نفسي وترفعت عن ندى كل جبسى يومها أنشد أحمد شوقى من شعر الحنين والشجن: اختلاف النهار والليل ينسي أذكرا لي الصبا وأيام أنسي وسلا مصر, هل سلا القلب عنها أو أسا جرحه الزمان المؤسي احرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس وطنى لو شغلت بالخلد عنه نازعتنى اليه فى الخلد نفسى شهد الله لم يغب عن جفونى شخصه ساعة ولم يخل حسى و.. هكذا أنشد أحمد شوقي. وكان له فى حواضر الأندلس ذكريات ومشاهدات بعضها طيب وبعضها حزين وقد زارها وفى جعبته كتاب (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب).. للعلامة التلمساني أحمد المقري (عاش فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر ورحل عن الدنيا عام 1631 للميلاد). تلك قصة جديرة بأن نحكيها فى لقاء قادم بإذن الله.