.. أجل, تدمير التماثيل البوذية العتيقة في أفغانستان على أيدي رجال حكومة طالبان الاسلامية فعل يسيء الى تاريخ التراث البشري. لكن الضجة العظمى التي أثارها الغرب ليست سوى مدخل جديد لفخ معركة دعائية ضد الاسلام. والا فأين كانت أصوات الاحتجاجات الغربية عندما قام الهندوس بتدمير مسجد بابري العريق في الهند وقام اليهود بحفريات أسفل المسجد الأقصى؟ نعم.. ان الفعل الذي قامت به حكومة طالبان ليس مبررا اسلاميا كما افاد فقهاء اسلاميون مرموقون. لكن من الخطأ او سوء النية ان يتوقف بعض المسلمين عند حدود الاحتجاج الغربي بمعزل عن الصورة العامة للحرب الحضارية التي يشنها الغرب ضد الاسلام وأمة المسلمين. هذا التربص بالاسلام هو الهاجس الاكبر الذي يجب ان يتذاكره المسلمون في مشارق الارض ومغاربها اذ يتوجهون في موسم الحج ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك بقلوبهم الى بيت الله ليستعيدوا مشهد حجة الوداع للرسول محمد صلى الله عليه وسلم التي كان محور خطبته فيها قول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). لقد تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم ــ الدستور السلوكي الاعلى للمسلمين افرادا وجماعات ــ من التحريف الى يوم الدين. وعلى عاتقنا نحن المسلمين يقع عبء المحافظة على العقيدة والدفاع عنها. ولن نستطيع المحافظة على العقيدة والدفاع عنها الا اذا ادركنا اولا من هم الاعداء المتربصون بعقيدتنا وأمتنا. ولن يتاح لنا هذا الادراك بأي حد أدنى من الوعي والفطانة اذا كان ايماننا بالعقيدة نفسها مهزوزا. ولن ينضج ايماننا الا بالتفقه والمزيد من التفقه في كتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلوات والتسليم. ان الامة الاسلامية تعيش عصرا تعرّض فيه الاسلام اولا للاستغلال ويتعرض فيه حاليا للتشكيك الخفي والحرب العلنية في آن معا. في الفترة ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية عقد الثمانينيات في القرن الفائت كانت مرحلة الاستغلال. فقد كرس الغرب كل قواه السياسية والثقافية والاقتصادية والدعائية من اجل استغلال مشاعر الوجدان الديني بين شعوب الامة الاسلامية لمنازلة خطر الشيوعية العالمية على اساس شعار ان الشيوعية والالحاد كلمتان مترادفتان. وبعد انهيار النظام الشيوعي العالمي وسقوط الامبراطورية السوفييتية مع نهاية الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات كشف الغرب عن نواياه المؤجلة تجاه الاسلام والمسلمين فأعلن حربا شاملة باسم (مكافحة الارهاب). والصورة العالمية التي نراها الان لظاهرة (مكافحة الارهاب) هي في الحقيقة تحالف صليبي صهيوني لا يستهدف سوى تحجيم مد الحضارة الاسلامية خاصة ان هذا المد الحضاري بلغ الان المجتمعات الغربية نفسها في اوروبا والولايات المتحدة. ففي كل منهما بلغ الاسلام مرتبة الديانة الثانية بعد المسيحية مباشرة (بطوائفها المختلفة) خلال زمن قياسي وعلى نمط سلمي. ورغم شراسة الحرب الحضارية الغربية فان امة المسلمين موعودة إلهياً بالنصر بشرط الا يكون ولاؤها لغير الله. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).