العيد كما تعيه الذاكرة ايام حلوة, ووقت يسير منتشياً بتمهل, وجوه قديمه تطل بشكل مفاجىء لكنه حميم, وعبارات تنشال من الشفاه نتبادلها بسعادة وتبسم برغم تكرارها وتشابهها, فنحن لا نقول لوالدينا أو اخواننا أو اصحابنا سوى كلمات معدودة في عبارة محددة, لكنها صارت ثقافة بحد ذاتها, وطقسا, ودلالة, وستظل العبارة الملتصقة بيوم الفرح الجميل: فكل عام وانتم بخير, وعيدكم سعيد ومبارك, وينعاد عليكم دائما بالفرح والصحة والخير. لكن الاشياء بطبيعتها اذا لازمها التكرار فقدت بهجتها الاولى ونسغها البكر, صارت عادية, لا شيء فيها يثير الدهشة أو يدعو للانتظار.. صارت معروفة محفوظة بكل دقائقها وتفاصيلها, ترسمها في خيالك لقطة لقطة, فتكون كما تخيلتها.. لا اثر للمفاجأة ولا وجود لاشتعال الفرح في العروق والعيون! فهل العيد كذلك؟ تفاؤلنا الجميل الذي نخبئه في فلوات الروح, وواحات العمر يدفعنا لأن نؤكد بان العيد ليس كذلك! بدليل هذا الانتظار الذي يمارسه الناس احتفاء بموسمه ومقدمه, كل الناس تنتظره, وتعد العدة لاستقباله, تماما كما ينتظر العاشق معشوقه الذي طال انتظاره وكما يتلهف الحبيب لمحبوبه الغائب منذ زمن. بالفرح ودهشة الانتظار ينتظر الناس العيد, باللهفة والشوق, بالملون من الثياب, والمبهج من المقتنيات والحلي والاطعمة, فتتحول البيوت ملتقيات ضاجة بالالوان والاصوات والاضواء, بضحكات الصغار وضجيج الكبار, بأسراب الاطفال من البنات والصبيان يروحون ويجيئون وقد رسموا فرحهم الخاص ثيابا جميلة, وعطورا ناعمة, ونقوش حناء تغرد في الاكف الصغيرة وهم يستقبلون (العيدية) مصحوبة بالدعوات الحلوة. وأتأمل في صباح العيد البهي, هذه الصغيرة الحلوة التي يفتر ثغرها عن بسمة تشعل القلب المنطفىء فتعيد اليه طفولته التي غادرته منذ زمن, اتأملها فأقول: لو لم يكن في العيد شيء, فيكفي اطلالتك العذبة هذه, وبسمة ثغرك وثوبك الابيض كأنك طير الجنة الذي جاء كومضة قدر في هذا النهار المضيء. العيد في ذاكرة الكبار تضحية, تضحية في الحس والروح, وهم في الحس المجرد يحرصون على ذبح الاضحية احتفاء بالروح المحلقة حولها واستعادة لذكرى النبي الذي كاد يكون ذبيحا على مذبح الطاعة المعجزة, يوم قال اسماعيل لابيه ابراهيم اذ امره الله في المنام ان يذبحه: (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين) انها الطاعة التي لا تجارى, والامتثال الذي لا يشبهه اي ابتلاء! العيد يستعيد رائحة التضحية والطاعة في نفوس الكبار والابناء, والعيد يوقد شعلة البهجة, ويعيد جذوة تكوين الألق وشفافية الروح, ويذكرنا ابدا ممن رحل عن الامكنة, وبمن رحل عن الذاكرة, وبمن رحل عن مواسم الفرح, وبمن لا يستطيع المباحاة بفرحه وتألق نفسه في المكان والزمان.. العيد يحضنا على البحث عن كل هؤلاء على النبش في تلافيف الذاكرة والقلب.. ولو لبعض الوقت.. فقد تشتعل الذاكرة بالغائبين وتزهر بالراحلين وتتألق بالمحرومين والفقراء.. اولئك هم أحباب الله وابناؤه. وقبل أن نذهب تاركين لكم كل المساحات تزرعونها فرحا وصخبا حلوا, دعونا نقف ولو لدقيقة واحدة لاجل عيون وقلوب اولئك الامهات اللواتي فقدن ابناءهن وازواجهن واحبابهن في قوافل الشهداء.. ومواكب الحياة.. لنقبل قلب كل أم وجبين كل والد.. فهؤلاء ملح الارض وسكّرها.. وطعمها الحقيقي.. لكم ولهم جميعا نقول: كل عام وانتم أكثر فرحاً وبهجة.