كان العرب قديما يزفون الأمكنة الى ذاكرتهم بمعالم الواحات الخضراء في وسط الصحراء أو أطلال إحدى القبائل الراحلة, أو ساحات الوغى التي طحنت كافة الاطراف فسميت الحروب بأسماء هذه الأمكنة, أما في عصر العولمة هذا الذي نحياه وسهولة التنقل بين أصقاع الأرض, بات من المؤكد أن الأمكنة تتنافس بقوة على غزو الذاكرة الراهنة للبشر بشكل غزير ومتنوع, لدرجة يصعب معها إقناع الزائر بألفة المكان وتميزه عن غيره من الأمكنة. وبالنظر الى مهرجان دبي للتسوق من حيث الافتتاح وبرنامجه الثقافي والترفيهي والاجتماعي, يتم التأكيد بأن مدينة دبي تحتل مكان الصدارة في ترسيخ عبق المكان في الذاكرة لكل من يمر بها, لتغدو مرجعية سياحية جميلة واقتصادية راسخة ومعلماً اساسياً مؤثراً في منطقة الشرق الاوسط. وما شاهدناه من ابداع في افتتاح هذا المهرجان, لم يمتع ابصارنا فحسب, وانما استطاع ان يطلق العنان لجميع أحاسيسنا بحيث أمسى المكان ذاكرة جديدة تطغى على كثير من ذكريات الامكنة ان الحرفة البصرية التي ابدعها المهرجان في حفل افتتاحه ليس في اظهار اشكال مختلفة للون والاضاءة, وانما هو تجاوز المتعة البصرية التقليدية الى أكثر من ذلك.. انه ايقاظ لمختلف الأحاسيس الاخرى الراكدة, وهذا تماما ما فعله بنا مهرجان دبي للتسوق, فمع المشهد البصري استطعنا ان نلمس اللون ونشمه احيانا, بل ويستقر فينا مشبعاً بالموسيقى المرافقة ليصب في النهاية في ذاكرة المكان المتأجج. وهنا فقط تغدو دبي المفعمة بعبق المكان وبلاغة الحدث وكثافة التواصل ما بين المدينة واهلها ومقيميها وزائريها, وتفاعلها المتجدد مع كل من يشاهدها للمرة الأولى أو لملايين المرات.. انها تغدو قلب الذاكرة النابض الذي يبث الألفة والحميمية ما بين الانسان والمكان بدلالته المحلية والعربية والعالمية في وقت واحد. وما تقوم به الدوائر الحكومية الاعلامية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية من برامج تنفيذية لتسيير شئون المهرجان وتسهيل حركة الزوار يعطي دفقا آخر باتجاه تعزيز مدينة دبي كمرجعية جميلة لذاكرة المكان الذي يحتاجها بنو البشر في حياتهم وحلهم وترحالهم. ان عالمية افتتاح مهرجان دبي للتسوق عام 2001 ونقل وقائعه بثا حيا بواسطة العديد من القنوات الفضائية العربية, ورفع شعار (عالم واحد عائلة واحدة) واختيار الزي العربي الفلسطيني ليمثل الصوت العربي نحو عالم موحد ومتعايش, ليعتبر تأكيداً على أن فكرة السلام الانساني ليست مستحيلة. فالنموذج الإنساني الذي يطرحه المهرجان بفقرات حفل افتتاحه وفعالياته وعلى رأسها (القرية العالمية) وتنوع جنسيات مشاركيه وزواره يعد قاعدة اساسية للمدينة الفاضلة التي طالما حلم بها الفيلسوف العظيم أفلاطون. واذا كانت لندن مدينة الضباب وباريس مدينة النور فيمكن القول ان دبي واحة الشرق, وهنا, فإن دورا عالميا رياديا كبيرا ينتظر هذه المدينة العربية الصغيرة المشتعلة بالحيوية على ضفاف الخليج العربي, لتكون قادرة على خلق ذاكرة حقيقية وتأصيل صورة جديدة للمدينة العربية العصرية في كل ارجاء العالم وتكون منبراً عمليا وحقيقياً لنشر صورة العربي الحديث, انها الذاكرة الجديدة التي يجب رعايتها وتعزيزها بكل ما هو انساني وعربي اصيل.