السفر هو ذلك الانتقال بالجسد والروح من مكان إلى مكان. وقليل منا من لم يخض هذه التجربة الممتعة أو يحدِّث نفسه بها, أما أغلبنا فقد خاضها دون شك وبقيت في ذاكرته واحة يتفيأ في ظلالها كلما أراد الهرب من ضغوط الحياة التي لا تعد ولا تحصى حتى غدا السفر تجربة نتطلع الى تكرارها لتجديد نشاطنا وكسر حاجز الملل دائم التسلل إلى حياتنا. غير أن هناك سفراً من نوع آخر نمارسه في بعض الأوقات والمواسم بأرواحنا إذا لم تتيسر لنا السبل لممارسته بأجسادنا, أما كيف تتهيأ نفوسنا لهذا النوع من السفر فذلك سر من أسرار العقائد والأديان لا نعرف كيف تبثه في الارواح فيمدها بتلك الطاقة الروحية التي تجعلها تتغلب على حاجز البعد المكاني ليوحدها البعد الرابع ويجمعها في بوتقة واحدة متجردة من بشريتها متسامية فوق كثير من نوازعها الحسيّة محلقة في عالم شديد الشفافية كثير النقاء قوي البصيرة رقيق الحس. تحت هذا الصنف من السفر تندرج رحلة الحج رغم مظاهرها الحسية المتمثلة في زيارة الأماكن المقدسة وممارسة أشكال مختلفة من الشعائر لا تخرج في نظر البعض ممن لا ينظر إلى ما هو أبعد من المظهر عن أفعال بعضها روتيني سهل التفسير وبعضها خارج عن المألوف يصعب تفسيره وإيجاد المبررات المناسبة له كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقبل الحجر الاسود: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولاتنفع, ولولا أنيّ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك). وللركن الخامس في الاسلام خصوصية لاتتوفر في بقية الأركان تتمثل في هذا الجهد الذي يتطلب نوعين من الاستطاعة اشترطهما الشارع الحكيم كي يصبح اداء هذا الركن واجباً على المرء, وهما القدرة المادية والقدرة الجسدية لما يتطلبه أداؤه من أعباء مادية متمثلة في مصاريف الانتقال والاقامة, وأعباء جسدية متمثلة في الجهد الذي يتطلبه اداء المناسك وما يصاحب ذلك من مشقة لا يعرفها الا من اكرمه الله بأداء هذا الركن العظيم وزيارة تلك الاماكن الطاهرة ليعيش التجربة جسداً وروحاً ويجني ثمارها الطيبة المباركة. ولأننا بشر كثيراً ما غرّنا طول الأمل فرُبَّ قائل يقول: وما الداعي للعجلة في أداء هذا الركن إذا ما كانت غايته هي أن ينضو عن الإنسان ثوب الماضي الملطخ بأنواع شتّى من المعاصي وتبييض صفحاته التي طغى عليها السواد ليعود من تلك الرحلة كيوم ولدته أمه؟ وننسى في غمرة نشوتنا بمتع الحياة أننا أشبه ما نكون بالممثلين في رواية لا نعرف متى تنتهي أدوارنا فيها, وفي الروايات ليس شرطاً أن يموت الكبار قبل الصغار, بل لعل عناصر الإثارة لا تكتمل إلا بحدوث النقيض, وحاشا لله أن يجعل من حياتنا رواية عبثية إذ لكل شيء عنده حكمة ندركها حيناً وتغيب عن علمنا أحياناً, ويصدمنا دائما الفصل الأخير من الرواية حينما يسدل الستار على أحد أبطالها ويبدأ رحلة أخرى نجهل نحن تفاصيلها وننتظر دورنا فيها. في سنّ مبكرة جداً من حياتي, وأنا أضع قدميّ على بداية العقد الثاني من عمري جاءت هذه الرحلة لتشكل نقطة تحوّل في وقت يتم الانتقال فيه من مرحلة الطفولة الى مرحلة الشباب والمراهقة بكل ما يحمله هذا الانتقال من تكوين للشخصية والمشاعر والوجدان وخلط لعدد من الأوراق تتصارع فيها نوازع الحسِّ مع القيم الدينية والقواعد الأخلاقية وما تعمل على غرسه الأسرة والمدرسة والمجتمع, فهل جاءت هذه الرحلة في وقتها المناسب أم أنها قد سبقت موعدها؟ ذلك هو السؤال الذي ربما تأخر طرحه بالنسبة لي ولرفاقي في تلك الرحلة, وهو سؤال قد لا يخطر على بال من لم يمر بالتجربة نفسها ليعيش الظرف نفسه. كنا مجموعة من طلبة المدارس تم اختيارهم من أنحاء مختلفة ممتدة من تلك المدن الوادعة الواقعة على خليج عمان الى مدينتنا الباسطة جناحيها على ضفتي الخور الشهير, وجوه مازالت ملامحها محفورة في الذاكرة رغم ظروف الحياة التي حالت دون رؤية بعضها منذ تلك الرحلة أو بعدها بسنوات بينما غيب الموت بعضها وهي في ريعان الشباب, وتلك مشيئة الخالق التي لا اعتراض عليها, إلاّ أن ما بقي من آثار تلك الرحلة التي تلتها رحلات أخرى في مراحل من العمر مختلفة مازال هو المخزون الذي تتزود منه النفس كلما أوغلت في دروب الحياة فأبعدتها تلك الدروب عن منابع الروح العذبة الصافية, وانستها مشاغل الحياة ضرورة ان تتجرد بين الحين والآخر من تلك المشاغل لتحدث ذلك التوازن بين المادة والروح كي لا يختل ميزان الحياة فيطغى جانب على جانب وتصبح الحاجة ملحة لتدخّل من يعيد السفينة الى مسارها الصحيح ويحفظ للنفس توازنها. سنوات عديدة دخلت في خانة العقود منذ أن هيأ الله لي ولاولئك الزملاء تلك الرحلة المباركة, ومع ذلك فإن تفاصيلها مازالت محفورة في الذاكرة كأنما حدثت بالامس رغم ما أصاب الذاكرة من وهن بفعل عوامل التعرية ورياح الحياة التي لم تكن دائما مواتية, بعض هذه التفاصيل يتجدد كلما جاءت المناسبة وهبت الريح من تلقاء تلك الديار العطرة حاملة معها نفحات رحلة تزامنت مع ذكريات صبا لم تسوِّد صفحاته بعد نوازع نفس بشرية جُبِلَتْ على حبّ الملذات, ولم يشغلها والحياة مقبلة ـ كما تسوِّل النفس دائما ــ سوى الاستزادة منها, وغرّها طول الأمل فغاب عنها أن كل يوم يمضي من حياتها إنما يقربها من النهاية ويؤذن بالرحيل. واليوم عندما تقف جموع الحجيج ملبية رافعة أيديها بالدعاء طالبة العفو والمغفرة يمر شريط طويل من مشاهد يقف المرء أمامها متأملاً وأصوات الحجيج تردد ذلك النداء الشجي (لبيك اللهم لبيك) فتهفو النفس إلى تلك الديار المقدسة الحبيبة, وتغدو الحياة حلماً قصيراً أو طيفاً عابراً كلما تذكرنا من فارقنا من أحباب ومن سنفارق منهم, لتصبح الحقيقة الوحيدة هي ما يذكِّرنا به هذا المشهد العظيم وقد تجرد الناس جميعاً, كبيرهم وصغيرهم, أبيضهم وأسودهم, غنيهم وفقيرهم, عظيمهم وحقيرهم, تجردوا جمعياً مما يميزهم من مظاهر الدنيا, وتشابهت ظواهرهم ودواخلهم فلم يعد بينهم من يفخر بمظاهر نعمة زائلة, اما عن المشاعر فحدّث ولاحرج, تعبّر عنها تلك (الأيدي المرفوعة الضارعة بالدعاء, وتلك الدموع المنهمرة المسفوحة في رجاء, وذلك الإحساس الجارف بالقرب من السماء, لينصرف الجميع في نهاية اليوم وقد باهى الله بهم ملائكته وغمرتهم رحمته وشملهم عفوه فعادوا كيوم ولدتهم أمهاتهم, لتبقى ذكرى ذلك اليوم ومشاهده حاضرة ترتفع وتيرتها في المناسبة فتهفو النفس إلى تلك الرحاب الطاهرة وتتوق الى ذلك المشهد العظيم.. فما أعظمه من يوم قد استقر في الوجدان وما أبلغ أثره في النفس على مرِّ الزمان.