بإجازة قانون (مكافحة الارهاب) وإدراج إحدى وعشرين منظمة تحت هذا البند تكون بريطانيا قد دخلت لتوها مرحلة قد تُورثها ندماً. فهي بذلك تخطو أول خطوة على طريق وعر اقتداء بالولايات المتحدة. الخطأ الأساسي الذي وقعت فيه الآن حكومة توني بلير بسن ذلك القانون الجدلي هو انطلاق التشريع من تحريف لمعنى (الارهاب) لا ينسجم مع مبادىء القانون الدولي والمواثيق الدولية. فالتعريف يغطي أي جماعة على الاطلاق تستخدم العنف كأسلوب لخدمة أهدافها. وهكذا يتساوى في نظر القانون الجديد (حزب الله) اللبناني وتنظيم (حماس) الفلسطيني اللذان يقاتلان احتلالاً أجنبياً لأراضيهم مع أي تنظيم آخر ينتمي الى بلد معين يشهر السلاح في وجه الحكومة الشرعية في ذلك البلد.. بل ومع (المافيا) وكافة جماعات الجريمة المنظمة العالمية. لكن هل هو حقيقة خطأ أم هناك دوافع معينة هي التي دعت الحكومة البريطانية الى التفكير في سن ذلك التشريع بالطريقة التي خرج بها؟ إن من ينظر في نصوص قانون (مكافحة الارهاب) البريطاني والقائمة التي صدرت لاحقاً بأسماء المنظمات الاجنبية التي صارت بمقتضى هذا القانون محظورة يكتشف من الوهلة الأولى ان هناك ثلاثة عوامل وراء الخطوة البريطانية هي: * ضغوط من الولايات المتحدة. * ضغوط من حكومات معينة في العالم العربي والعالم الإسلامي. * ضغوط من المنظمات البريطانية والعالمية المعادية للإسلام, وخاصة المنظمات اليهودية. * اعتبارات مصالح بريطانيا التجارية والاقتصادية مع دول معينة. هذه العوامل متداخلة بطبيعة الحال مع بعضها البعض. فالضغوط الأمريكية مثلاً تتناغم مع ضغوط حكومات عربية ضد الجماعات الاصولية الراديكالية. فإذا كان هدف الولايات المتحدة هو تحجيم أي خطر على إسرائيل فإن هدف الحكومات العربية المعنية هو تضييق الخناق على نشاط المعارضة الخارجية الذي تمارسه تلك الجماعات. وربما وجدت الحكومة البريطانية تبريراً شرعياً لاعتبار نشاط جماعات المعارضة الخارجية التي تستخدم العنف ضد الانظمة الحاكمة في بلدانها أمراً غير مشروع. لكن حتى لو قبلنا هذا المنطق القانوني الجدلي فإننا نتساءل: لماذا لم تتضمن قائمة التنظيمات المحظورة التنظيم المظلي للمعارضة العراقية في الخارج الذي يطلق عليه (المؤتمر الوطني العراقي) علماً بأن الهدف المعلن رسمياً لهذا التنظيم هو إسقاط النظام العراقي بقوة العنف والسلاح.. بينما تضمنت القائمة أسماء تنظيمات مماثلة تستهدف أنظمتها في أنحاء العالم العربي الأخرى. ثم ماذا عن المنظمات العربية التي تحارب الاحتلال الإسرائيلي؟ إن محاربة الاحتلال الأجنبي حق قانوني مشروع يكفله القانون الدولي. إن القانون البريطاني الجديد يحظـر على هذه المنظمات مجرد جمع التبرعات في بريطانيا بينما يتغاضى هذا القانون تماماً عن المنظمات اليهودية الصهيونية التي تمارس نشاط جمع التبرعات لإسرائيل علناً. وإجمالاً نستطيع أن نقول إن هذا القانون البريطاني والقائمة اللاحقة له ينطلق من موقف تحيز فاضح ضد العرب والمسلمين. وبهذا تكون بريطانيا قد اختارت لنفسها أن تتخذ موقفاً إلى جانب الولايات المتحدة التي تواجه حرباً مضادة من الأصوليين يمتد مسرحها الى أركان الدنيا الأربعة.