هكذا ينكشف لنا من خلال سياق تطور الغرب ومجتمعاته, كيف ساهم اليهود والحركة الصهيونية في ذيوع فكر وممارسة معاداة السامية, وكيف كانوا في مرحلة يعتبرونها طريق الحفاظ على نقاء العرق ووضوح الهوية. ومن هنا أيضاً ساد لدى كثير من الرأي العام ــ وبالذات في الغرب ــ أن معاداة السامية تعني معاداة اليهود, وهذا ليس صحيحاً وليس دقيقاً, حيث أن السامية تعني عند العلماء ثلاثة احتمالات: الانتماء للديانات السامية عند مجموعة من الشعوب التي تنتمي إلى أصل واحد وتشمل العرب والعبرانيين والفينيقيين والآراميين والبابليين والآشوريين, التي سكنت منذ القدم شبه الجزيرة الكبرى (أراضي سوريا وبين النهرين والعراق من شواطئ المتوسط إلى سفوح جبال إيران وأرمينيا). وإلى هذه الشعوب تنتمي ثلاثة من أصحاب الديانات الكبرى في العالم ــ الديانات الإيجابية التي لم تنشأ على نسق الوثنية القديمة بل تعود في أصولها إلى تعاليم من الوحي الإلهي ــ كما يذكر روبرتسن سميث في (محاضرات في ديانة الساميين). إذن نحن أمام ثلاثة من الأديان الإلهية اعتنقتها شعوب عديدة في أرض الجزيرة العربية, وهكذا نستطيع أن نؤكد أن السامية قد ظللت تلك المنطقة كلها بدياناتها وشعوبها وحضاراتها. ومن المعروف أيضاً أن السامية تعود إلى سام بن نوح, وذلك بعدما تم إنزال غضب الرب على الإنسان من ذرية آدم وحواء (قال) الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته (تكوين 5:6 ــ 7), وإثر ذلك قرر الرب أن ينزل بالعالم كارثة الطوفان, عندها كان نوح قد (وجد نعمة في عيني الرب) وأمره قائلاً: (اصنع فلكاً من خشب, وهكذا نجا نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه (تكوين 7:7). أما البشر الجدد الذين عمروا الأرض بعد الطوفان, سلالة نوح (سام ــ حام ــ يافث). ذهب سام واستوطن بلاد العرب وما يليها من أقطار الشرق الأدنى, وحام استوطن أفريقيا, ويافث استوطن أوروبا وآسيا الصغرى ــ ذلك ما أخذ به فلاسفة الشرق. ويتبين من ذلك أن سام خرج من عباءته شعوب سامية متعددة, ويتناول روبرتسن سميث ــ العالم الأشهر ــ في ديانة الساميين ذلك قائلاً: (يميل معظم المفسرين إلى النظر إلى تصنيف المجموعات البشرية ــ كما ورد في الإصحاح العاشر على اعتبار أنه قائم على أسس جغرافية وسياسية لا على أسس عرقية, فالفينيقيون والكنعانيون ــ على سبيل المثال ــ يعتبرون من نسل حام وأبناء عم المصريين, وهو تصنيف أقرب إلى الحقيقة التاريخية, لآن كنعان ظلت لعدة قرون خاضعة لمصر في حقبة سابقة على الغزو العبراني, ومن ثم فقد وقعت الديانة والحضارة الفينيقية تحت التأثير المصري. أما من الناحية العرقية فالكنعانيون أقرب إلى العرب والآشوريين). لذا فلابد لنا أن نتذكر أن الباحثين المحدثين حين يستخدمون مصطلح سامي (فإنهم لا يتحدثون باعتبارهم مفسرين للتوراة, بل يقصدون بها أن يجمعوا بين كل الشعوب (العبرانيين والسريان والعرب والآشوريين والفينيقيين). ومن هنا يتبين لنا أن الدليل التاريخي المباشر الذي لا يقبل الشك بالنسبة لأصول الشعوب (يعد أمراً مستحيلاً) كما يقول روبرتسن سميث. أما اللغوي الألماني (شلوتزر) فقد استخدم تعبير الجنس السامي من أجل الدلالة على مجموعة الشعوب التي عاشت في الطرف الغربي من القارة الآسيوية (العرب والبابليين والآشوريين والآراميين والسريان والعبرانيين). كما يعلن العالم الفرنسي هنري فليش (إنه ينبغي ألا يفهم من استعمال كلمة السامية أي شيء أكثر من مجرد اصطلاح لتيسير الأمر على الباحثين دون القصد إلى أية دلالة عنصرية) ويذهب عالم الأنثروبولوجية السويسري يوجين بيتار إلى ما هو أكثر حسماً من ذلك, إذ يقول: (إن اليهود جميعاً بعيدون عن الانتماء إلى عنصر يهودي.. فنحن لا نستطيع أن نعتبر اليهود الآن أعضاء في مجموعة بشرية متحدة العنصر, ولا حتى يهود فلسطين التي جلبت إليها الحركات الصهيونية إسرائيليين بدون أي انتقاء. فاليهود ينتمون إلى طائفة دينية انضمت إليها في جميع العصور أخلاط من أجناس مختلفة). لذلك كان طبيعياً أن يظهر الفلاشا كجزء من الأحباش, واليهود الألمان الذين تتوافر فيهم نفس المميزات العضوية لسائر أبناء الجنس الجرماني, ويهود التاميل من الهند حيث تميل البشرة إلى السمرة الداكنة, وهناك يهود (الخزر) الذين يفترض أنهم من الجنس التركي. ما يهمنا أن نؤكد عليه أن عنصر الجنس عنصر متشعب المستويات مختلط المعالم, مستحيل النقاء. ما بالنا والحديث يتناول (الجنس اليهودي). والذي يتأكد اختلاطه بنص التوراة نفسها. وذلك عندما ذهبت بنات كاهن مدين السبع ليسقين الأغنام ويملأن الأجران, فأتى الرعاة وطردوهن. فنهض موسى ــ الذي كان هارباً بعد أن قتل مصرياً, وطلب فرعون رأسه مقابل تلك الجريمة ــ وأنجدهن وسقى غنمهن. المهم أبلغن بنات كاهن مدين أبيهم بتلك الواقعة. ورأى الرجل تكريم موسى. فدعاه لوليمة, وسكن موسى مع كاهن مدين, وتزوج ابنته صفورة, وأنجب منها أبناً دعا اسمه جرشوم (فأعطى موسى صفورة ابنته, فولدت له ابناً فدعا اسمه جرشوم, لأنه قال كنت نزيلاً في أرض غريبة. 31 ــ 33 خروج 2) وبعد أن استقر العبرانيون في أرض كنعان وامتلاكهم شطراً منها, تغيرت طبيعتهم واختلط عنصرهم ففقدوا جنسيتهم الأولى باندماجهم في عناصر شتى وانضمام غيرهم من الأجناس إليهم ممن اعتنقوا الدين اليهودي خصوصاً في زمن النبي داود والنبي سليمان الحكيم كالحيثيين ــ شعب غير سامي ــ كما تزاوجت عشيرة إبراهيم مع شعوب كنعان, كما تزوج يوسف النبي من (أستات) المصرية (ابنة كاهن اون) وتزوج الملك داود من ابنة ملك جشور الكنعاني, وتزوج الملك برمبام اليهودي من ابنة شيشاق الأول فرعون مصر. الأمثلة كثيرة ومتعددة, وكلها تؤكد على أن سامية الجنس, فكرة أسطورية ليس لها واقع في التاريخ. تبقى إذن سامية اللغة, ومن المعروف أن هناك عائلة كبيرة يطلق عليها اللغات السامية, وعلى رأسها اللغة العربية والأكادية والآشورية والبابلية والآرامية والكنعانية والسريانية والفينيقية والأمهرية والعبرية والحبشية, وهناك لغات أخرى بعضها مات وبعضها ما زال حياً ومواصلاً دوره في تفاهم البشر وتحديد سمات الأمم. تلك هي قصة السامية بدعاواها الثلاث, دين وجنس ولغة. أما إذا جارينا تلك الدعاوى الزائفة, فلا ننسى أن العرب ساميون وكذلك لغتهم. لكن الغريب أن اليهودية والصهيونية قد وظفتا تلك السامية والجنس السامي واللغة بل والدين لصالحهما, حتى وصل لمفهوم الكثيرين التطابق بين معاداة السامية ومعاداة اليهود. وقد ساعد على ذلك فعل اليهود والصهاينة الأيديولوجي والعقيدي والدور الوظيفي لليهود وكذلك رد فعل الغرب تجاه تلك الأفعال وبالذات عندما سادت لديهم بعض الافكار مثل دم المسيح المعلق على رقاب اليهود, وعندما بزغ عصر الدولة ــ القومية المستندة على السمات المميزة لشخصية الوطن ــ الدولة. بعد ذلك لابد من استيضاح تأثير معاداة السامية على اليهود والصهاينة في أجيالهم الحديثة ــ أجيال الدولة ــ بعد أن تكشف لنا أن معاداة السامية في التاريخ اليهودي القديم كانت حافزاً ومحركاً للانتقال إلى حالة صهيونية بعد مرحلة اليهودية العنصرية, وبالتالي فإبطال الجالوت (النفي) لن يتم إلا بالهجرة للوطن فلسطين (إسرائيل) أما الآن فمعاداة السامية تعني تنشئة الأجيال الجديدة وبداخلها الثأر الدائم من الأغيار المعادين للسامية اليهودية!! وبالذات عندما يستند ذلك ما جاء من مفاهيم في التوراة والتلمود حول الأغيار, بالإضافة إلى بعض الوقائع العينية لمعاداة السامية في الغرب وعلى رأسها الهولوكوست, كما أن معاداة السامية تعني الآن لدى دولة اليهود الحصرية امتلاك أداة ابتزاز لحكومات الغرب الذين تورطوا في معاداة السامية وألمانيا وقصة الدعم الهائل (لدولة إسرائيل) مثل على ذلك. بالإضافة إلى امتلاك أداة تشهير مهمة توظف في الحملات ضد أي شخص أو حكم أو حزب أو جماعة تفكر ولو للحظة واحدة في رفض هذا الابتزاز, ولعل ما حدث لجارودي خير دليل على ذلك. وأخيراً يستنتج من ذلك أن ذلك المفهوم المحمل بالأيديولوجيا يؤثر كثيراً على عملية صنع القرار الإسرائيلي, حيث أن الأيديولوجيا اليهودية بما تحمله من عنصرية وشمولية بل ومعاداة للإنسانية تقضي بأن اليهودي أعلى شأناً من أي إنسان آخر وأن دولة إسرائيل لا يمكن أن تتنازل عن أي جزء من أرضها لأنها أرض يهودية مقدسة, وهكذا كلما أصبحت إسرائيل أكثر يهودية تزايد تأثير سياساتها بالاعتبارات الأيديولوجية اليهودية, وتكدست معاهدها الدينية ومدارسها الابتدائية بفتاوى الحاخامات ونصوص التوراة والتلمود والشروحات العديدة لهما. وهكذا تحولت عقدة الشعور بالاضطهاد إلى عقيدة اللاسامية عند هرتزل ونوردا حيث اعتبر هوية اليهودي متوقفة على وجود العداء للسامية, وأصبحت تلك العقيدة جزءاً من نسيج الثقافة السياسية السائدة في التجمع الإسرائيلي الاستيطاني العنصري. باحث مصري