ثلاث لقطات متتالية في نشرة الأخبار التلفزيونية تعطينا جانبا من الواقع على الأرض الفلسطينية وتكشف عمق الأزمة التي يعيشها النظام العربي, وتفضح كم الأكاذيب التي يتلقاها المواطن العربي وحجم الفجوة بين الشارع العربي وبين مراكز اتخاذ القرار. في اللقطة الأولى كان مسئول فلسطيني (أظنه وزير التموين في السلطة الفلسطينية ) يتحدث عن الأزمة التي يواجهها الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلة, وكيف أوصل الحصار الإسرائيلي المضروب على الضفة والقطاع الأوضاع المعيشية إلى حالة خطيرة بعد شهور من انقطاع الموارد المالية وتعطل النشاط الاقتصادي ونقص المواد التموينية التي تهدد بمجاعة حقيقية. وأين الدعم العربي..؟! كاد الرجل يفقد أعصابه وهو يعيد ما أصبح معروفا للجميع.. لا شئ تقريبا قد وصل من مئات الملايين من الدولارات التي تم الاعلان عنها داخل القمة العربية أو خارجها.. لا شئ قد وصل! في اللقطة الثانية كان السفاح شارون يعلن موافقة إسرائيل على المقترحات الأمريكية (هل هي أمريكية حقا؟!) التي كشف عنها جنرال الخارجية الأمريكي كولن باول أثناء جولته في المنطقة على ثلاث نقاط: وقف ما تسميه أعمال العنف وقيام السلطة الفلسطينية بوضع كل إمكانياتها وبذل كل جهودها لتحقيق ذلك, ثم العودة للتنسيق الأمني الكامل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية لإنهاء المقاومة واعتقال قياداتها, وأخيرا تبحث إسرائيل في الافراج عن بعض الأموال المجمدة لديها لصالح السلطة الفلسطينية. في اللقطة الثالثة كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعلن عن إنسانيتها وكرمها فتقدم للفلسطينيين شحنة عاجلة من الدقيق لإنقاذ الوضع التمويني المتدهور حتى لا يصل إلى حد المجاعة. صحيح أن ذلك يتم في الوقت الذي تجرى فيه المناورات العسكرية بين القوات الأمريكية والإسرائيلية, وفي الوقت الذي تنهال فيه الأسلحة الأمريكية المتطورة على الكيان الصهيوني, وفي الوقت الذي يعلن فيه وزير الخارجية الأمريكي أن التحالف مع إسرائيل أبدي ويكتشف فيه أن شارون معتدل ومرن ومتفتح ومستعد للسلام! صحيح كل ذلك, ولكن الصحيح أيضا أن أمريكا قلبها كبير ولن تترك من ينجون من القتل على أيدي الجنود الإسرائيليين يموتون من الجوع!! هكذا تكتمل الصورة باللقطات الثلاث, وتصبح الرسالة واضحة: فالدعم العربي لم يصل لأن هذا هو القرار ممن في يده القرار, ولأن المطلوب هو إنهاء الانتفاضة لا دعمها واستعادة الهدوء لاستئناف مسيرة سلام الشجعان غير المباركة. وإذا كانت القمة العربية قد فرضت عليها الظروف والشارع العربي الغاضب أن توافق على رصد ألف مليون دولار لدعم الانتفاضة وإنقاذ القدس, فإن هذا القرار لابد من تجميده ووضع العقبات في سبيل تنفيذه, وهكذا بدأ الحديث عن فساد السلطة الفلسطينية وعدم الاطمئنان لوضع أموال الدعم العربي في أيديها, وبدأ البحث في وضع الأنظمة المناسبة لتلقي الدعم وإنفاقه, وبدأ الكلام عن الشفافية والوضوح في التعامل مع أموال الدعم. وكان المثير للإهتمام أن من يتحدثون عن فساد السلطة الفلسطينية ليسوا أقل منها فسادا, وأن البحث عن (آليات) للإنفاق قد تحول إلى مسمار جحا لتعطيل وصول الدعم للفلسطينيين, وأن الحديث عن الشفافية والوضوح كان بحثا عن شهادة براءة خوفا من اتهام بدعم حقيقي للمقاومة الفلسطينية التي ترفع أعلام الانتفاضة. وهكذا.. في الوقت الذي كانت فيه أموال الدعم العربي تضل طريقها إلى الفلسطينيين فلا تصل حتى الآن, كانت إسرائيل تشدد من حصارها للضفة والقطاع, وكان الاقتصاد الفلسطيني يتهاوى. وكانت الأمور تتردى حتى وصل الأمر بالأمم المتحدة من وصول مبعوثها للمنطقة أن تحذر من كارثة حقيقية تتهدد الشعب الفلسطيني بعد أن وصلت الأحوال المعيشية إلى حالة غير مسبوقة من التردي وليس هذا بالطبع ما يزعج الأمم المتحدة, ولكن ما يزعج هو أن الوضع يهدد بإنهيار السلطة الفلسطينية وبحالة من الفوضى لا تعرف نتائجها, ومن هنا كان الإنذار وكانت المساعدات الأوروبية ثم الأمريكية. وقد نجحت الخطة حتى الآن. وتم حصار الإنتفاضة, وتمهيد المناخ لقبول الحل الأمريكي الإسرائيلي بوقف ما يسمونه بـ (العنف) تماما, واستعادة التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل, واعتقال الكوادر الرئيسية في المقاومة, وبعدها يتم تخفيف الحصار الاقتصادي وتتلقى السلطة بعض الأموال المحتجزة في إسرائيل, وتدفع الثمن السياسي الذي لم تستطع أن تدفعه من قبل, وتتقبل ما رفضته من مقترحات, ويتم إهدار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. والسؤال هنا هو: هل يتحمل العرب هذه المسئولية؟ وهل كان قرار القمة العربية بدعم الانتفاضة مجرد انحناء للعاصفة وعبور للأزمة أم أن النوايا كانت حسنة ولكن الظروف بعد القمة كانت قاهرة؟ نعرف أن الضغوط الأمريكية كانت وما زالت كبيرة لمنع الدعم العربي للإنتفاضة. ونعرف أن حملة تخويف تم ترويجها لدى العواصم العربية تتحدث عن بقعة الزيت التي تمثلها الانتفاضة والتي قد تمتد إلى الوطن العربي كله. ولكن هذا لا يبرر هذا التقاعس في دعم الإنتفاضة, ولا يرفع المسئولية عما آلت إليه الأوضاع في فلسطين. لقد كتبت عن هذه القضية هنا عدة مرات, ولكني أعود اليوم للكتابة عنها بعد أن و صلت الأمور بالمسئولية الفلسطينية إلى حد استجداء المعونة العربية, وبعد أن أصبحت المقايضة علنيه: الاجهاز على الإنتفاضة مقابل لقمة العيش, وبعد أن اصبحت معونة غذائية من أمريكا للفلسطينيين قيمتها أربعة ملايين جنيه هي الغطاء لكل جرائم أمريكا ضد العرب وهي المعادل لانحياز أمريكا الأعمى لحرب الابادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. أكتب هذه المرة وأمامي متغير هام يتمثل في التصريحات الخطيرة التي أدلى بها الشيخ زايد هذا الأسبوع حول الأوضاع العربية. لقد تحدث الرجل بما تميز به من عفوية ومشاعر صادقة فوضع أمامنا قضيتين هامتين: القضية الأولى: أن القادة العرب لم يتحملوا مسئولياتهم تجاه شعوبهم لسنوات طويلة. وقد بدأوا الآن التحرك لتصحيح هذه الأوضاع. القضية الثانية: هي الدعوة لمساندة الشعب الفلسطيني ليواجه الاحتلال الإسرائيلي لأرضه. إثارة هاتين القضيتين في هذا الوقت بالذات أمر هام وضروري. وعندما يجئ ذلك من رجل مثل صاحب السمو الشيخ زايد فهو أجدر بالوقوف عنده والتأمل فيه. لقد قامت الانتفاضة تعبيرا عن رفض الاستسلام للغطرسة الإسرائيلية, ولتوقف مسلسل التنازلات المهينة عن الحقوق العربية, ولتؤكد أن القدس ستظل عربية. لم تكن مجرد احتجاج على تصرف أحمق لسفاح إسرائيلي دنس المسجد الأقصى, ولكنها كانت الإعلان عن أن القضية يجب أن تعود لأصلها.. قضية احتلال غير مشروع للأرض الفلسطينية يجب أن ينتهي, وشعب فلسطيني مقهور يعلن رفضه للقهر والاحتلال. والصراع الذي يدور منذ اندلاع الإنتفاضة هو حول: هل تبقى مجرد حركة احتجاج ووسيلة ضغط.. أم تتحول إلى حركة تحرير وطنية تلتقط السلاح الذي أسقطته القيادة الفلسطينية قبل الأوان لتواصل حرب التحرير حتى النهاية. وكنا نظن أن قرار القمة العربية بدعم الانتفاضة البداية لتصحيح أوضاع تخلت فيها القيادات العربية عن مسئولياتها, وفقدت فيها القيادة الفلسطينية طريقها الصحيح عندما انزلقت إلى مسار أوسلو وتوابعه, ولكن التطورات بعد ذلك تقول إن الأزمة ما زلت باقية, والرؤية الصحيحة ما زالت غائبة. والإنتفاضة تم حصارها, والدعم العربي يخشى من تهم أمريكا, وبدلا من تحرير الأرض الفلسطينية وإنقاذ القدس.. أصبح الحديث الآن يدور حول إطعام الفلسطينيين وإنقاذهم من الجوع. وهي مهمة ستتولاها الأم الرحيمة أمريكا بعد أن تتوقف حتى الحجارة الفلسطينية عن إزعاج رجل السلام الجديد.. شارون!! ومن هنا تأتي أهمية التصريحات التي أدلى بها صاحب السمو الشيخ زايد.. فهذا قائد عربي يمثل أقصى درجات الاعتدال والتعقل يدعو القادة العرب لتحمل مسئولياتهم التي تخلوا عنها لسنوات طويلة, ويطالب بتزويد الفلسطينيين بالعتاد ليواصلوا المقاومة. إن القضية ليست أزمة دقيق تعالجها أمريكا ببضعة أطنان من الطحين, وليست قضية ضائقة اقتصادية يتم التعامل معها بمعونة من هنا أو هناك, وليست أيضا قضية اضطرابات أمنية ينبغي السيطرة عليها كما تحاول أمريكا وإسرائيل تصويرها, وإنما القضية كما لا ينبغي أن ينسى أحد أو يتناسى هي قضية أرض محتلة لابد أن تتحرر وشعب مقهور لابد أن يقاوم حتى يستعيد أرضه وكرامته, وقدس أسيرة لابد أن يفك أسرها. وهذا هو جوهر الصراع الآن على الساحة الفلسطينية.. فأمريكا وإسرائيل تريدان إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الإنتفاضة التي فاجأت الجميع. وقسم من القيادات الفلسطينية والزعامات العربية يريد إنهاء الأوضاع المتفجرة في أسرع وقت والقبول بالعروض الإسرائيلية الأمريكية والتقاط ما تسمح به الظروف وتوازنات القوى التي تميل لغير صالح العرب. والشعب الفلسطيني يرفض لأنه يدرك أن المطلوب هو التخلي عن الحقوق وضياع الأرض وتهويد القدس مقابل كيان هزيل, ولأنه يدرك أن السير على طريق أوسلو لن يؤدي إلا للمزيد من الخسائر, وأنه لا بديل عن استمرار المقاومة حتى التحرير. والشارع العربي كله يدرك أن ضرب الإنتفاضة سيكون كارثة.. ليس فقط على المستوى الفلسطيني, ولكن على طول الوطن العربي الذي ستفتح أبوابه لجيوش التطبيع ومشاريع الهيمنة الصهيونية وتستكمل بعده الولايات المتحدة الأمريكية وضع خريطتها للمنطقة موضع التنفيذ, وهي خريطة ليس فيها مكان للعرب إلا في موضع الخدم أو اللاجئين. وهذا هو التحدي الذي يواجهه العرب, والذي يطرح نفسه على القيادات العربية وهي تستعد لقمة عمان, وقد وضحت لها الصورة كاملة في ظل إدارة بوش لأمريكا وحكم شارون لإسرائيل, ومخطط المرحلة المقبلة كما أعلنته أمريكا بغاراتها على بغداد, واصرارها على تدمير العراق وتصفية القضية الفلسطينية. والقادة الذي استهانوا بشعوبهم طويلا كما قال صاحب السمو الشيخ زايد في تصريحاته الأخيرة سيكونون أمام الفرصة التاريخية, لكي يصححوا أخطاء الماضي ويفتحوا أبواب المستقبل بجناحين لابد منهما: المصالحة والمقاومة. والمهمة صعبة, ولكن البديل سوف يكون الكارثة. نائب رئيس تحرير جريدة (أخبار اليوم) المصرية