لا أريد ان أثير غضب الناس على مستوى الخدمات الطبية, فأنا أعلم يقينا ان في وطني نوايا طيبة من أصحاب السلطة والقرار من اجل العمل المخلص لتوفير أرقى مستويات الخدمة للمواطنين, انطلاقاً من ايمانهم بأن هذه الخدمات ليست سوى حقوق ملزمة ينص عليها عقد المواطنة ونصوص الدستور ومواثيق العلاقة الطيبة بين الحاكم والمحكوم. كما أنني موقنة ان هذه النوايا تترجم يومياً في واقع الحياة على هيئة مرافق ومشاريع عملاقة وأماكن خدمات غاية في الرقي والجودة, ومع ذلك فإن هناك شكوى دائمة, وهناك تذمر نلمسه عندما نصطدم بهذه الخدمات منذ الوهلة الاولى, خاصة تلك الخدمات الواقعة في نطاق ما يسمى في بعض الدول بالمثلث المحرم او المقدس ويقصدون بها: التعليم والصحة والغذاء. واقول في بعض الدول, لأنه بالفعل في دولة مثل الصين تعتبر هذه الخدمات الثلاث من المحرمات التي لا تمس ولا يسمح لكائن من كان بالتلاعب فيها او المتاجرة بها او اخضاعها للاهواء الشخصية او الاحتكار والسيطرة الخاصة.. فهذه خدمات تقوم عليها حياة المجتمع وتنبني عليها حضارته ومسيرة تقدمه ونموه وبدونها فإن المجتمع سيعاني من المرض والتدهور والجهل وهذه هي آفات اي امة وسبب لتخلفها ووجود الاضطرابات فيها. وعندما نفتح ملفات خطيرة كملف الصحة او التعليم والتربية والغذاء بكافة اشكالياته, فإننا نرغب صادقين ان نضع امام المسئولين في هذه المرافق حقائق لا يعلمها سوى الجمهور المتلقي للخدمة والمحتاج اليها والذي يقف في طوابير طويلة من أجل أن يصل دوره في الحصول على الخدمة, فبعض الحقائق لا تصل للمسئول لأكثر من سبب: إما لأن المراجع لا يستطيع ان يصل بشكواه الى هذا المسئول بسهولة, أو لأنه يخاف ان ينظر اليه كمتذمر ومشتكى فيحرم فيما بعد من الخدمة, أو لأنه لا يريد الدخول في متاهات الاعتراض والشكوى لأنه كما يقول الكثيرون (لا فائدة فالأمور لا تتغير مهما اشتكينا)! لنضرب مثلاً بسيطاً لكنه يشكل بالنسبة لمتلقي الخدمة أهمية قصوى: لقد عاينت بنفسي طريقة تعامل الاطباء مع المرضى في كبريات المستشفيات في الولايات المتحدة, تلك المستشفيات التي تصنف بأنها الاولى على مستوى العالم, ورأيت الطبيب الجراح الاول الذي جلست اليه ساعات طويلة لأستمع الى شرح طويل عن حالة والدتي قبل اجراء عملية فقرات الظهر, رأيته عندما يأتي دورها للدخول عليه يخرج من غرفته الى غرفة انتظار المرضى ويقودها من يدها ويتبادل معها بعض العبارات ويمازحها كي تطمئن اليه لا اكثر... بينما نجد بعض اطبائنا في بعض العيادات والمستشفيات لا يكاد يرد عليك التحية اذا سلمت عليه! وبالكاد يبتسم في وجهك ويحادثك كأنه مكره على لقائك! وعندما تسأل يبرر لك بعض الاطباء سلوك زملائهم بسبب الازعاج وكثرة المرضى وفوضى النظام و... اذا كان الطبيب عندهم يعمل مقابل مداخيل عالية, وانه يعامل المرضى بكل اللطف كنوع من الدعاية للمستشفى, ولأن المريض سيدفع الكثير مقابل ذلك, فلا أظن ان احداً في مستشفياتنا يعمل متطوعاً او مجاناً, والدعاية للعيادة او المستشفى الخاص احق بها المستشفى العام. لأن الحكومة تصرف عليه الملايين. هذه صورة بسيطة تحتاج من ادارات مستشفياتنا وقفة مراجعة لا اكثر.