اكتشفت فجأة ومن خلال شبكة الانترنت, لغة العصر الجديدة التي فرضت حضورها على حياتنا اليومية, ان المثقفين أينما كانوا عملة واحدة لا تتغير مهما اختلف الزمن واختلف المكان, وكنت الى وقت قريب اعتقد ان صفة الاختلاف والحوار والشجار هي من صفات المثقفين العرب الذين يعشقون الاختلاف للاختلاف وليس لمسألة اخرى, الا انني أيقنت من جديد ان الطيور على أشكالها تقع بعدما قرأت خبراً يؤكد تلك المقولة, فأعطيت العذر لمثقفينا. الخبر الذي قرأته يشير الى ان الدنماركيين منقسمون والسبب فاصلة, وحكاية الفاصلة المختلف عليها قديمة لكنها عادت اليوم إلى ساحة الحوار فاختلف عليها المثقفون اختلافاً حاداً سرعان ما تحول الى صراع لغوي حول فاصلة تستخدم منذ العام 6681 واخرى منذ 1918, وعن فاصلة جديدة اقرتها هيئة اللغات الدنماركية قبل سنوات لأن اعضاءها وجدوا ان الفاصلتين الاولى والثانية لا تتوافقان وحال اللغة اليوم, وتحاول اللجنة اقناع الشارع الدنماركي باستخدام الفاصلة الجديدة ولكن دون جدوى, بسبب عناد الاكثرية الدنماركية المثقفة التي ترفض ان تنسى قانوناً لغوياً قديماً تربت عليه. والفاصلة الجديدة التي اقرتها هيئة اللغات فاصلة استراحة مزاجية يضعها الكاتب عندما يشعر انه من المناسب وضعها دون التقيد بقاعدة او قانون لغوي, الا ان اساتذة اللغة الدنماركيين يجدون ذلك استهزاء بقواعد اللغة ويرفضون التقيد به, وحتى هذه اللحظة ما زالت القضية تتصدر الصحف بين اخذ ورد وسجال عاصف يبدو ان الفاصلة ستظل مادته حتى تأتي الفاصلة. وحمدت الله ان فواصلنا العربية ما زالت افضل وأبقى وأعتى من فواصلهم فنحن اختلفنا على أشياء كثيرة لكننا اتفقنا على الفاصلة, ورغم ذلك وجدت ان الخوض في اسرار اللغة كالبحث عن اسرار عالم آخر, فكتب اللغة بقدر ما هي عصية على القارئ المستجد, تفك ابوابها ونوافذها امام من يراوده أمل الاستمتاع بأسرارها الخفية, ومن هنا ألتقط ورقة قديمة ربما تقلب تصوراتنا عن اعضاء المجمعات اللغوية تلك الصورة المرسومة في اذهان الكثيرين منا, فخلافاً للفكرة الشائعة عن تجهم اللغوين, وخاصة اعضاء المجمعات اللغويين اسرد تلك الحكايات الشيقة التي تعود للعام 1949 اذ قرر مجمع اللغة العربية وضع ثلاثة معاجم اولها للكلمات العربية الشائعة, وثانيها للكلمات الصعبة, وثالها للكلمات الميتة, أي المهجورة, وعندما سمع علي الجارم عبارة معجم الكلمات الميتة قال على الفور: قولوا لنا بصراحة انكم تريدون عمل معجمين ومقبرة! وكان عدد اعضاء المجمع فيما مضى عشرين عضواً, ثم صدر مرسوم باضافة عشرة اعضاء جدد بينهم لطفي السيد وطه حسين واحمد امين والعقاد والمازني وغيرهم من أفذاذ اللغة وقد رأى المجمع بعد انضمام هؤلاء العشرة ان يعاود النظر في بعض المسائل التي كانت معلقة من قبل, وعرض على الاعضاء الجدد موضوعاً كان قد اتخذ فيه قراراً سابقاً, ولم يرض عنه علي الجارم فقال: صدر القرار قبل ان يكسب المجمع (العشرة الطيبة)! وذات مرة تغيب لطفي السيد عن رئاسة الجلسة وكان الذي يتولى الرئاسة في غيابه الدكتور فارس نمر باشا باعتباره اكبر الاعضاء سناً, وتصادف غيابه ايضاً في تلك الجلسة, فبدأت الانظار تتجه الى كل من انطوان الجميل وعلي الجارم, فما كان من الجارم الا ان قام منسحباً بلباقة وهدوء وهو يقول: انا خارج احسن تقولوا علي كبيراً وتعملوها فيّ! وكان المازني من أخف الاعضاء روحاً ومن أطرف ما حدث في أول جلسة حضرها ان سأله احدهم عن شعوره وهو يؤدي هذه المهمة لأول مرة فقال: شعوري عادي, اما شعور زوجتي فهي متشائمة وقد قالت لي: (ايه اللي وداك المجمع بتاع العجايز ده, انته مش عارف ان العجز بيعدي؟). فقال له احدهم: وهل تخشى العدوى؟ فأجاب ضاحكاً: كلنا لها! ثم نظر الى المنضدة الكبيرة التي يجلس حولها الاعضاء وقال: ما هي دي التربيزة اللي كل من عليها فان! ويحكى ان علي الجارم يجلس مع بعض الزملاء والزائرين في احدى غرف المجمع قبيل انعقاد احدى الجلسات فدخل عليه زائر جديد لم يجد حول منضدتهم محلاً لجلوسه, فقال عنه احد اللغويين. انه لا محل له من الاعراب! فقال الجارم على الفور: اذن هو حرف جر, فعليه ان يجر الكرسي البعيد ليجلس عليه! وارتكب احد سعاة المجمع غلطة تمسك عدد كبير من الاعضاء بفصل فاعلها وكان انطوان الجميل حاضراً فقال باسماً: الذي اعرفه ان الفاعل مرفوع لا مفصول! فضحك الموظف ونجا الساعي من الفصل!