عندما اجتمع وزير الخارجية الأمريكي الجديد كولن باول مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان للمرة الأولى للتعارف والتفاكر في منتصف فبراير المنصرم لم يبلغ الوزير الأمريكي الأمين العام للمنظمة الدولية بأن واشنطن تعتزم توجيه ضربة جوية ضد العراق بعد 24 ساعة. وإذا كان هذا المسلك الأمريكي المشين يعكس مدى استخفاف القوة العظمى الأمريكية بهيئة الأمم المتحدة فإن سكوت الأمين العام عليه حتى الآن يعكس بدوره القدر الضئيل من الكبرياء المهني لدى كوفي عنان. وبصورة عامة تظهر سلسلة من الأحداث والتطورات أن عنان أشد حرصاً على منصبه الدولي من غيرته على ميثاق المنظمة الدولية وبنوده. أحدث هذه التطورات الضربة الجوية الأمريكية ضد العراق المشار إليها. لقد كان الأحرى بالأمين العام أن يكون أول من يرفع إصبعه بإعلان صريح للعالم بأن الولايات المتحدة ومعها بريطانيا خرقتا مبادىء القانون الدولي.. وأهم من ذلك ميثاق الأمم المتحدة المفترض أن يكون الأمين العام حارسه الأول المتيقظ على الدوام. والخرق الأمريكي والبريطاني للميثاق يتجلى في وجهين: أولاً كون أن عملية القصف اعتداء صريح على دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة لم تقم بأي عمل استفزازي مما يمكن أن يضعها تحت طائلة القانون الدولي. ثانياً, ادعاء واشنطن (ومعها لندن) بشأن (حماية منطقتي الحظر الجوي) علماً بأن (الحظر الجوي) ابتداع أمريكي صرف ليس مسنوداً بأي قرار من الأمم المتحدة. لقد أشعل هذا العدوان الصريح إدانات متتالية من دول عديدة بينها ثلاث دول أعضاء دائمون في مجلس الأمن الدولي (فرنسا وروسيا والصين).. لكن الأمين العام للأمم المتحدة فضّل مع ذلك التزام سكوت غير بليغ. وقبل ذلك وقع تطوران مهمان كان كل منهما يستدعي أن يتخذ عنان موقفاً حاسماً وحازماً من منطلق واجبه المقدس في المحافظة على نزاهة المنظمة الدولية وحيدتها. فقد استقال اثنان من كبار موظفي المنظمة تباعاً من منصب (المنسق العام) للشئون الإنسانية في العراق بعد أن تقدم كل منهما الى الأمين العام بتقرير مفصل عن عدم جدوى برنامج النفط مقابل الغذاء في انقاذ أطفال العراق من الجوع والمرض.. واشتكيا بصورة خاصة من العرقلة الأمريكية للطلبات العراقية في لجنة الأمم المتحدة التي تشرف على تنفيذ البرنامج. وكان المطلوب من الأمين العام في كلا الحالين أن يأمر بإجراء تحقيق فيما تضمنه تقريران خطيران من اثنين من أكبر مساعديه. لكن التزم بسكوته المشين. ولم يشأ كوفي عنان أيضاً أن يجري تحقيقاً في تقرير آخر أجل خطراً لما انطوى عليه من توجيه اتهامات لا يمكن السكوت عليها بحال من الأحوال. كان ذلك تقرير سكوت ريتر عضو اللجنة الدولية للتفتيش عن الأسلحة في العراق. لقد اتهم ريتر اللجنة صراحة بأنها تعمل لحساب كل من وكالة الاستخبارات الأمريكية والموساد الإسرائيلي. وفي هذا الصدد تركزت أجل اتهاماته على رئيس اللجنة ريتشارد باتلر. كانت فضيحة عظمى اهتزت لها اللجنة الدولية مما اضطر باتلر الى الاستقالة. والمدهش حقاً أن الأمين العام لم يكلف نفسه حتى مجرد التعليق على التقرير الذي تلقاه فضلاً عن التحقيق في الاتهامات. ويبدو واضحاً أن الأمين العام ينأى بنفسه عن كل أمر يمكن أن يقوده الى صدام مع الولايات المتحدة حتى لو كان ذلك على حساب ميثاق المنظمة والنزاهة المفترضة في ذلك المنصب الدولي. بكلمة واحدة يفتقر عنان الى أهم صفة يتطلبها تصريف منصبه الخطير: صفة الشجاعة.. وإذا قلنا أن هذا (مؤسف) فإنه أقل ما يجب أن يقال.