بداية لا بد من الاعتراف بأن انعقاد المؤتمر الثامن والثلاثين للبرلمانيين العرب الذي عقد برعاية واستضافة دولة الإمارات العربية المتحدة, يكتسب أهمية قصوى لأنه انعقد في ظل ظروف استثنائية بالغة الدقة والتعقيد على كل الصعد والمستويات العربية والإقليمية والدولية, ولأنها في هذا الوقت بالذات مصحوبة بشتى المتغيرات الكونية, التي غالباً ما تنذر بالكثير من المفاجآت غير المحسوبة أو المتوقعة حتى لاصحاب العقد والربط ومراكز صنع القرار رغم الادعاءات الكثيرة, التي نلاحظها عند البعض بالمعرفة المسبقة لهذا المتغير الكوني أو ذاك لحظة وقوعه. بالإضافة إلى أنه يستمد أهميته لأنه يأتي في لحظة من الضعف والتشتت العربي, التي تحمل بين ظهرانيها حزمة من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية العربية, والتي ما نزال نحن العرب, حتى هذه اللحظة التاريخية الحادة نعيش آثارها المدمرة, بسبب افتقادنا لوحدة الموقف الفاعل إزاء كل هذه الأزمات, خاصة المفروضة علينا بشكل قسري إقليمياً ودولياً, والتي غالباً ما تطال ولو جزئياً سيادتنا الوطنية والقومية على حد سواء. لكن بعيداً عن لغة التيئيس, التي يحاول البعض الانطلاق منها إزاء تقييم أوضاعنا العربية, لابد لنا من الاعتراف بأن مؤتمر البرلمانيين العرب الذي أنهى أعماله في الإمارات العربية المتحدة, يوم 26 فبراير الفائت, يعتبر نقلة نوعية قياساً بالمؤتمرات السابقة وغير مسبوقة, لأنه انطلق بكل جدارة من موقف جماعي عربي متسماً بروح المسئولية, على كافة المستويات واضعاً الضغائن الشخصية والثنائية خلف الظهر رغم الجروح العميقة النازفة, التي لحقت بالجسم العربي منذ ما يزيد عن عشر سنوات ولم تندمل بعد. وقد عبر عن هذه الروح الإيجابية, البرلمانيون الكويتيون عندما طالبوا برفع الحصار عن أطفال العراق الذين يئنون من وطأته, انطلاقاً من تحقيق وحدة الصف العربي, ورأب الصدع الحاصل في حائط الصد. وقد يكون من اللافت حقاً ما تضمنه البيان الختامي, إعادة التأكيد مجدداً على التنديد بالاعتداءات المتكررة على الشعب العراقي, دون أن يغفل سيادة الشعب الكويتي على أراضيه وحقه في العيش بسلام وأمان, استشرافاً لما قد تحمله الأيام المقبلة من مفاجآت قد لا تحمد عقباها على مستقبل الأمة بقضها وقضيضها. وبلا غرو إذا ما قلنا بأن المؤتمرين أعادوا السياسية العربية إلى نصابها بوضعهم الإصبع على الجرح, عندما أجمعوا من خلال بيانهم الختامي على دعم الانتفاضة العربية في الأراضي الفلسطينية المحتلة, رافضين بذلك أي خطوة سياسية أو عسكرية قد تتخذ ضد العراق أو لبنان أو غيرها, بهدف خطف الأضواء عنها, واعتبار تلك الخطوات مدانة ومرفوضة سلفاً,والذي ترجم بتوصية لمؤتمر القمة القادم باعتبار يوم 27 مارس كأول يوم لانعقاد المؤتمر, يوم التضامن العربي مع الانتفاضة الفلسطينية. ولعل هذا الموقف بالذات يعبر عن القناعة الكاملة بضرورة طي الخلافات القائمة وتحييدها باعتبارها, أصبحت جزءاً من الماضي, أو على أقل تقدير أصبحت خلافات ثانوية, وأن الخلاف مع الاحتلال الإسرائيلي يحتل سلم الأولويات السياسية العربية بلا منازع, وهذا الموقف جاء رداً على بعض الطروحات الغربية التي حاولت نقل الصراع العربي الإسرائيلي من الأولويات العربية, واستبداله بقضايا ثانوية كانت قد بدأت معظم الدول العربية باتخاذ خطوات إيجابية ومتقدمة من اجل حلها, دون الرضوخ لشروط واملاءات الخارج, وقد يكون الشروع في حل مشكلة الحصار على العراق قد سبق كل التحركات السياسية والدبلوماسية الأخيرة التي شهدتها منطقتنا العربية, والتي جاءت متزامنة مع انعقاد المؤتمر العتيد. مع الأخذ بعين الاعتبار أن البيان السياسي حمل صفة التوازن حيث أعطى كل القضايا العالقة, والمشكلات القائمة مساحة كاملة, في الحيز السياسي, بحيث رأى في الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بأنه لا يزال ناقصاً, ومن هذا المنطلق أعاد التأكيد على شرعية المقاومة اللبنانية, في استعادة مزارع شبعا, وأراضي قرية كفر شوبا التي تحاول قوات الاحتلال الإسرائيلي كعادتها تغيير معالمها , والزحف خلف الخط الأزرق التي رسمته قوات الأمم المتحدة لكسب المزيد من الأراضي اللبنانية واعتبارها أراضي اسرائيلية, انطلاقاً من سياسة الأمر الواقع, التي تعودت اسرائيل على ممارستها منذ إنشائها. كما أن المؤتمر أعاد التأكيد على المطالب السورية الوطنية والمحقة في عودة الجولان المحتل, إلى ما قبل حدود 4 حزيران عام ,1967 وتنفيذ كل القرارات الدولية الخاصة بذات الشأن, بعيداً عن مناورات اسرائيل وتفسيراتها التوسعية, التي تتجاهل كل القرارات الدولية المتعاقبة, والتي أجمعت على ضرورة انسحاب اسرائيل من كل الأراضي المحتلة دون قيد أو شرط. إضافة إلى أن القراءة المتأنية لقضية الجزر الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى الإماراتية, قد خلقت موقفاً عربياً موحداً على الصعيدين السياسي والدبلوماسي, يرتكز بالأساس على الموقف الإماراتي الذي ينطلق من حل القضية مع إيران على أساس سلمي, وعلى أساس من حسن الجوار مع الجار الإيراني المسلم, بعيداً عن الأحقاد وإثارة الضجيج والتهديدات وبما يتوافق مع الشرعية الدولية, وهذا الموقف بالضرورة لابد أن يلقى آذاناً صاغية عند الطرف الإيراني, لمعاودة مناقشة القضية برمتها من أجل نزع هذا الفتيل, إن كان بشكل ثنائي أو أكثر بالشراكة مع بعض الأطراف العربية. وعلى ما أعتقد أن بعض الأطراف العربية بعيداً عن التكليف بل حرصاً منها على العلاقة الإيرانية العربية, قد طرحت هذه القضية مع أعلى الهيئات السياسية والقيادية الإيرانية, وليس مستبعداً أن نشهد حركة دبلوماسية قادمة من أجل التوصل إلى حلول مرضية لكلا الجانبين. وقد يكون من اللافت حقاً قضية طرح السوق العربية المشتركة, التي لا تزال في حيز القرارات والتوصيات, بحيث أصبحت هذه القضية في ظل التطور العالمي الحاصل, إحدى أهم القضايا العربية التي لا يمكن إغفالها أو تأجيلها في ظل مرحلة تشهد نشاطاً سياسياً محموماً, نحو بناء التكتلات الإقليمية القائمة على المصالح المتبادلة بين الشعوب والأمم, ونحن الأمة الواحدة ما نزال رهن الأمنيات والتطلعات. وقد بات لزاماً على هذا المؤتمر وغيره من المؤتمرات العربية, الخروج من حيز القرارات الحبيسة في أدراج الجامعة العربية, ومؤسساتها ومنظماتها الإقليمية, بخلق آليات تفعيل حقيقية تترجم بخطوات على أرض الواقع, بصرف النظر عن الخلافات القائمة والحساسيات السياسية التي لا تغني ولا تسمن من جوع. ولا يكفي أيضاً أن يضع ممثلو الشعب العربي, هذه التوصيات والقرارات رسم الأمانة, في ذمة القيادات العربية التي ستجتمع في عمان بمؤتمر القمة يوم 27 مارس, بل هم المعنيون أولاً وأخيراً عن المطالبة الحثيثة الدؤوبة لقياداتهم السياسية بأن يأخذوا الخطوات الكفيلة بتفعيل كل القرارات العربية المشتركة, حتى يبقوا ضمير شعوبهم والمدافعين الأمينين عن مصالحها, بعيداً عن رغبات السياسيين وأهوائهم التي قد تخالف أحياناً رغبات الشعوب. لكن بكل الصدق وبعيداً عن التحيز, أن ما خرج عن مؤتمر البرلمانيين العرب, أكد بكل جدارة عن النوايا الحسنة التي لم نعهده من قبل, وأن نجم المواقف كان الموقف الكويتي بلا منازع الذي قبض على الجراح من خلال موقف حكيم ومتميز هدفه الأول والأخير فض الكثير من النزاعات التي لا نزال نتلظى سطح صفيحها الساخن. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق