ضجيج الاطفال يصنع فقاعات هواء سرعان ما تتلاشى, وضجيج الاعلام العربي يصنع فقاعات آدمية تتحدث بجدارة وتفوق الحوار والديمقراطية والرأي الآخر, فقط خلف الشاشات والميكروفونات. ضجيج الانفجارات, والضربات الامريكية والبريطانية على العراق و(الاسرائيلية) على الفلسطينيين, يصنع وبجدارة اسطورة قوة قائمة على مبدأ العنجهية, و(ثقافة) اجتثاث الآخر, كما يصنع وبجدارة ايضاً ثقافة موازية يسمونها (الارهاب) ضد دول تقتل وتبيد وتحاصر ثم تدعي انها العظمى والاولى وراعية السلام!! ونتساءل: عظمى في اي اتجاه؟ واولى على من وسلام لأجل من تحديداً؟ ضجيج المشاعر السيئة والاحساسات المغرقة في اللاانسانية قد يسمونها احقاداً او حسداً او غيرة او.. انها في الحقيقة تشم من بعيد, وتنضح من مسامات الجلد, وحدقات العيون احياناً, خاصة حينما يتلبسها اشخاص يدعون بحماقة انهم زملاء او اصحاب, يضجون امامك بالمجاملات والابتسامات المصنوعة بينما رائحة اخرى تضج خلفهم بمجرد مغادرتهم المكان, انه ضجيج الاسئلة: لماذا يفعلون بأنفسهم ذلك؟ لماذا يكاثرون آثامهم بلا مبرر؟ ويقتلون أرواحهم مقابل الفراغ؟! يعتبر الضجيج بكافة اشكاله تلوثاً خطيراً وفق تقارير منظمات حماية البيئة, كضجيج الطائرات, السيارات, القطارات, الاصوات الصادرة عن مكبرات الصوت, الموسيقى العالية, انفجارات القنابل والاسلحة الكيميائية والجرثومية والانشطارية والمسمارية والعنقودية (الامريكية والاسرائيلية والغربية الصنع) أفلا يكون من الاولى اعتبار الحضارة الامريكية وهذه الابنة (اللاشرعية) المسماة (اسرائيل) احد ابرز اشكال الضجيج الحضاري الذي ابتليت به البشرية في تاريخها الحديث؟! الحروب جاهلية, وبيع الاسلحة بادعاء المزايدة على حماية الابرياء والدفاع عن الاصدقاء وصولاً لتدميرهم وافنائهم جاهلية, والاحقاد المتناسلة في القلوب جاهلية, وثقافة الضجيج والاغذية السريعة المعبأة بالاوبئة والجراثيم ولحوم الابقار المجنونة والاغنام المصابة بالحمى القلاعية جاهلية, وان تمنع بريطانيا تصدير اللحوم الى اوروبا فقط ثم لا تنوه بأن المنع يشمل دول العالم الثالث والعربي فذلك جاهلية خاصة وهي تصنفنا ــ سياسياً ــ كدول صديقة, فأي صداقة هذه يا ترى؟ ضجيج العالم الذي يلفنا حتى الدوار جاهلية, ومع ذلك ألبسوها ثوباً مزركشاً مثيراً للشك والضحك وسموها عولمة! يا الهي الا يبدو الاسم مثيراً للضحك فعلاً والحيرة خاصة حينما تسألني امي عن معناه فلا أنجح في شرحه لها, بينما تسمعه يتردد في اجهزة الاعلام اكثر من مليون مرة في اليوم!! الضجيج يحرمك هدوؤك, وهدوؤك مهم حيث يقربك من نفسك, يجعلك انت, يشعرك بجمال روحك, وشفافية انسانيتك, ويدهشك بقدرتك على الابداع وقراءة تفاصيل الكون, الضجيج يحرمك ذلك كله, يحرمك القراءة, والقراءة ليست في تصفح الجرائد والمجلات وبعض الكتب التافهة او حتى القيمة, القراءة هي التأمل والتلامس مع مفردات الكون واحتساء اسرار الحكمة بتمهل, أليس عجيباً ان تكون اول اوامر السماء للرسول الكريم الذي انبثق من امة أولى صفاتها الجاهلية هو الأمر بالقراءة: (اقرأ باسم ربك الذي خلق!) فاصمت واهدأ واقرأ و... تحضر!