نشر خبر نهاية الأسبوع الماضي, أن مجلس الشورى المصري جدد لكل من: إبراهيم نافع ومكرم محمد احمد و14 شخصية صحفية أخرى لمدة سنة, استثناء من القانون الذي ينص على إحالة الموظف إلى التقاعد عندما يتجاوز الستين من عمره. الأستاذ إبراهيم نافع سنه قارب السبعين, ورحلة عمره في بلاط الصحافة بدأت منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي, وكذلك الأستاذ مكرم بدأ في فترة قريبة منه. نلحظ في بلد مثل مصر يعد المهنيون المحترفون فيه بالآلاف, فالمسجلون رسميا في نقابة الصحفيين اكثر من خمسة آلاف صحفي. وهناك مئات الأسماء البارزة والمميزة بحكم طول تجربتها وعطائها, في (المطبخ) الصحفي أو في الميدان, ورغم توفر الكم والنوعية عندهم, لا تزال الدولة والصحافة تستثني وتتمسك بشخصيات إعلامية جاوزت الستين من عمرها. في لبنان, الأصغر حجما في المكان والسكان وفي الآلة الإعلامية من حيث التعداد, نجد إن الصورة شبيهة بمصر, هناك عشرات الأسماء لزملاء, أو بالأحرى أساتذة, قضوا سنوات طويلة في هذه الصنعة تعدت ما يعرف بسن المعاش, لم تستغن عنهم هذه المهنة, لايزال لهم مكان فيها, ولهم تقدير وعندهم عطاء. هذا في مصر ولبنان, وهما اعرق بلدين عربيين بصناعة مهنة الإعلام. وعندنا في الإمارات, في دولتنا وإعلامنا الذي عمره لم يصل منتصف الثلاثينيات بعد, نجد أن عدد الذين لفظهم هذا الإعلام كبير, وكبير جدا عند الحديث عن الكم أو النوعية أو المستويات من حيث التجربة العملية أو المراكز القيادية التي وصل إليها كثير من هؤلاء. صحفيون مواطنون لا يتجاوز رقمهم المئة, وهو العدد المنتسب إلى جمعية الصحفيين, وإعلاميون يعملون في مختلف وسائله الأخرى,لا يصل عددهم إلى نصف الرقم السابق, وعلى هذه العددية الضئيلة, والذي يقابلها رقم ضخم هو اكثر من أربعين وسيلة إعلامية من إذاعة وتلفزيون وصحف يومية ومجلات أسبوعية, تحتاج إلى عدد هائل من الموظفين المؤهلين, نجد إننا نخسر الكثير من الكفاءات التي استطاعت أن تملك الخبرة بحكم الممارسة والتجربة, وبدل أن نأخذ منها ونعطيها الفرصة, نسمح لها أن تنتهي في بيئة غير التي عاشت فيها, وحلمت بها. هذه حالة للأسف نجدها اليوم في جميع وسائل إعلامنا. وإذا كان الإعلام اصبح بيئة طاردة لأمثال هؤلاء, الذين يملكون المعرفة والخبرة, لماذا لا تستفيد منهم مؤسسات المجتمع المختلفة, فلا توجد جهة في هذا العصر لا تتعامل بالإعلام وتحتاج إلى خبرة في هذا الميدان, وأقسام الإعلام في الكليات والجامعات المنتشرة في الدولة معنية وأمامها كفاءات جاهزة عندها ما تقدمه وتمثل إضافة نوعية لها. حضرت إحدى المناسبات العلمية, واستمعت إلى مجموعة من (الأساتذة) الذين يقومون بتدريس الإعلام إلى الجيل الذي من المفترض أن يغذى ويدعم ويقود مسيرة إعلام الإمارات في المستقبل. استغربت ان بعض هؤلاء نكرة لا صيت لهم في ميدان الإعلام أو في المجال الأكاديمي والبحثي, ليسوا أسماء بارزة اوحتى نصف بارزة في علوم الإعلام داخل الوطن العربي وخارجه, مع أن إمكانيات هذه المؤسسات تسمح لها أن تختار وتبحث عن الأفضل. كيف جاء هؤلاء, وكيف وصلوا إلى هذه المكانة؟ المصيبة ليست في الأسماء المغمورة, فقد يكون العلم والفكر وبراعة التدريس عوامل تجعلهم افضل من أصحاب التجارب والأسماء البارزة, لكنك تصدم عندما تسمع لهم, هم في عالم, والإعلام في عالم آخر. يصح وصفهم انهم يعلّمون الجهل, ومن الطبيعي أن يكون نتاجهم إعلاميا لا يعلم شيئا! أولى لأولئك الذين مارسوا, وعاشوا تفاصيل المهنة عن قرب, أثّروا وتأثروا بمدخلاتها ومخرجاتها وصناعتها, أولى أن يعلموا ويفيدوا, ولاشك انهم (خبراء) بما يحمله هذا الوصف وهذه المكانة, عندما نقارنهم ببعض الذين يقومون بمهمة تدريس فن الإعلام. عندما تحدث الأستاذ علي شمو وهو خبير اعلامي ساهم في صناعة إعلام الإمارات في بداياته الصعبة, ووصل إلى مرتبة وكيل وزارة وهي درجة وظيفية رفيعة لم يصل اليها قبله اوحتى بعده, أحد من الاخوة العرب في هذه الوزارة المهمة, عندما جاء شمو إلى الإمارات بعد هذا العمر الفاصل بين البدايات والحاضر الذي وصلت إليه الدولة وإعلامها, تحدث عن التاريخ والتجربة الأولى, وقال: أعترف إننا أعطينا فرصة لم نمنح إياها في بلداننا, لنخرج طاقاتنا ونمارس ما تعلمناه, وإنني في تجربة الإمارات استفدت اكثر مما أفدت, بحكم الإمكانيات المتطورة التي وفرتها الدولة. وطبعا في هذا تواضع من رجل يذكر الجميل ويحمل الوفاء, وهي صفة قليل تعداد الذين يحملونها في قلوبهم في هذا الزمان. حق ابن البلد أن يعطى الفرصة, وان يتعلم, وان يخدم ويفيد. لا يترك هؤلاء للنسيان. إنهم ثروة, وما نعانيه في هذا الوطن انه عندنا أنواع الثروات,إلا الثروة البشرية, فانها شحيحة جدا. والإعلام من غير توطين حقيقي, يبقى إعلاماً بدون وجه.. لا هوية له.