قد لا يختلف أي من المراقبين على أن الأمة العربية باتت فى مفترق طرق وعرة, تهدد كيانها السياسى وهويتها وأمنها القومى فى الصميم, فى أعقاب الضربة الصاروخية الأمريكية لبغداد الأسبوع الماضي, والتى تبعد مئات الكيلومترات عن منطقتى الحظر الجوي, وتختلف لذلك من حيث التوقيت والأهداف والدلالات عن سابقتها فى عملية (ثعلب الصحراء), كونها تتزامن مع الموقف المتفجر فى فلسطين المحتلة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى, وسقوط حكومة حزب العمل ووصول الليكود الى السلطة فى اسرائيل, وتشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة حرب, بالنظر الى اعلان شارون تقويض المسيرة السلمية, وعدم التزامه بما تم الاتفاق عليه بين السلطة الفلسطينية عبر سياسة الحديد و النار والابادة والتجويع, والى حد تلويحه بممارسة أسلوب العصا الغليظة ضد مصر وسوريا ولبنان والأردن, ولعله من هنا يتعين على الأمة العربية استحضار الدروس المستفادة من الصراع العربى الاسرائيلى على مدى يزيد على خمسين عاما, حول النجاحات المضطردة لمراحل تنفيذ المشروع الصهيونى التوراتى فى بلوغ أهدافه تباعا, كلما كان تشتيت الجهود العربية متاحا, ومواجهة العرب آحادا وليس جبهة موحدة, ولا أدل على ذلك من انفراد اسرائيل بالصلح مع مصر, وبعدها كان من السهل انفرادها فى مؤتمر مدريد بكل دولة على حدة, وما تلاه من مؤتمرات واتفاقيات ومعاهدات لم يجن العرب من ورائها سوى الحصرم والحنظل, فلا جنحت اسرائيل للسلام, ولا تخلت عن استنزاف الجهود والامكانات العربية عند حد, وغالبا يعود العرب بعد كل جولة من جولات الصراع مع اسرائيل الى المربع الأول, مع تقدم المشروع الصهيونى خطوة أو خطوات على صعيد قضم المزيد من الأراضى العربية والجور على حقوق العرب المشروعة, الأمر الذى فرض على عقلاء الأمة العربية الانتباه الى الرابطة التكتيكية العضوية بين الضربة الصاروخية مؤخرا لبغداد, كونها تمويهاً على الموقف المتفجر فى الأرض المحتلة, وشغل الانتباه العربى والدولى بعيدا عن متابعة ودعم انتفاضة الأقصى, الى حين ينجح شارون فى الانفراد بها وإجهاضها! الدرس الثانى للصراع العربى الاسرائيلى أن أمريكا أكدت بما لا يدع مجالا للشك أنها عدو أصيل للعرب منذ رعايتها قيام الكيان الصهيونى عام 1948 وأن هذه الرعاية تصاعدت تباعا من مرحلة الدعم السياسى والاقتصادى والعسكري, حتى وصلت مؤخرا الى مرحلة التوحد والتحالف الاستراتيجي, وبالمعنى البسيط الذى يفهمه رجل الشارع العربى أن اسرائيل وأمريكا وجهان لعدو وعدوان واحد, وما محاولة الأنظمة العربية تحييد أمريكا عن الصراع العربى الاسرائيلى إلا خداع للنفس والنفخ فى قربة مقطوعة, ومن هنا لا يجب الانزلاق الى ما تروج له أمريكا من أن حصار العراق على مدى يزيد على عشر سنوات, وقصفه بالصواريخ بين حين وآخر إنما لحماية الأمة العربية والعالم من شرور حيازة العراق لأسلحة الدمار الشامل, وهى الرسالة التى يصل وزير الخارجية الأمريكى الى المنطقة لتبليغها الى الملوك والرؤساء العرب لقطع الطريق على قمتهم المقبلة التى تضع على رأس أولوياتها فك حصار العراق والمصالحة التاريخية بين بغداد وكل من الكويت والسعودية, فإذا وضعنا فى الاعتبار والتحليل تصريح وزير الدفاع الأمريكى السابق وليم كوهين من أن القوات الأمريكية لن تجلو عن الخليج حتى لو زال صدام حسين, واعلان الرئيس الأمريكى جورج بوش عدم التزامه بمسودة التسوية بين الفلسطينيين واسرائيل فى عهد الرئيس كلينتون, وأن النزاع فى الشرق الأوسط ليس من أولويات سياسته الخارجية, وتأكيد كولن باول سعى أمريكا الى لم شمل قوات التحالف الدولى التى قادتها فى عملية تحرير الكويت, والشروع فى اسرائيل لاجراء مناورة عسكرية مع أمريكا للصواريخ (باتريوت) الدفاعية, فالمعنى بالمفهوم الضمنى أن أمريكا عازمة على تحديد الحصار المضروب حول العراق, ولا يعنيها إحلال السلام العادل والشامل بين العرب واسرائيل, وعلى العرب أن يركبوا أعلى ما في خيولهم لمواجهة آلة الحرب الاسرائيلية والهيمنة الأمريكية الأحادية على مقدرات العالم. والمخزى حقا أن تبادر روسيا وهى ليست دولة عربية الى التنديد بضرب العراق, وأن تخرج من عاصمة عربية هنا أو هناك مجرد تصريحات رسمية هزيلة للاحتجاج أو الاستنكار, ولا تخرج المظاهرات الشعبية العارمة إلا فى فلسطين المحتلة والعراق المحاصر فحسب, والأكثر خزيا أن يعلن د. عصمت عبدالمجيد الأمين العام للجامعة العربية أخيرا عن تخصيص 1% من حصيلة الدعم الذى أجازته القمة العربية الطارئة لوزارات الاعلام العربية بدعوى مساعدتها فى خدمة أهداف انتفاضة الأقصى, ولا يصل دولار واحد حتى الآن للسلطة الفلسطينية, الأمر الذى دعا رود لارسن مبعوث الأمم المتحدة الخاص للشرق الأوسط, الى التحذير من إنهيار مؤسسات السلطة الفلسطينية وانفجار العنف و الفوضى, مما قد يصعب السيطرة على الوضع و.. نسأل فى النهاية عن رد الفعل العربى فى مواجهة العدوان الاسرائيلى الأمريكي, ونحسب أن الدروس المستفادة ماثلة لا تقبل التردد أو التباطؤ, ولا مفر من تجاوز مرحلة رد الفعل الى الفعل, عبر توحيد الصف العربى وحشد الامكانات العربية فى خدمة تفعيل استراتيجية عربية للدفاع عن القضايا العربية المصيرية كصفقة سياسية واحدة لا تقبل التجزئة أو الاختزال فى قضية واحدة على حساب غيرها من قضايا الصراع مع اسرائيل وأمريكا سواء بسواء! كاتب وصحفي مصري