لا تزال العولمة تؤكد وجودها في الاقتصاد فقط, وحتى في هذا المجال ما زلنا نرى الوجوه السلبية لتلك العولمة الاقتصادية التي يفيد منها رأس المال, ويتمتع في ظلها بحرية الحركة والتجوال ما بين دولة وأخرى, أو قارة وأخرى, دون حاجة للحصول على إذن مسبق, ربما تمنعه بعض الدول عن مالك هذا المال لو كان بشرا من لحم وعظام, ولا تريد هذه العولمة أن تقدم وجها واحدا إيجابيا منذ بدأ دعاتها في التنظير لها. كانت بدايات العولمة الاقتصادية السلبية انهيار النمور الآسيوية, وتحولت ما بين ليلة وضحاها قططا أليفة تبحث عن طعامها في قمامة الشمال الثري الذي كانت نموذجه الأمثل للعالم المتخلف للتخلي عن التجارب الاقتصادية ذات المردود الاجتماعي, التي يرى الشمال الثري المتقدم أنها رفاهية غير مؤهل لها شعوب الجنوب. لم تكن تلك النمور الضحية الأولى, بل سبقتها إليها المكسيك عندما انهارت عملتها عام 1994 فجأة وبلا مقدمات مما يثير الشكوك حولها, وحول أسبابها الحقيقية, وأهدافها الحقيقية أيضا, لكن النمور الآسيوية أخذت معها إلى جحيم الأزمة الاقتصادية اكبر اقتصاد في العالم الثالث, والمتمثل في البرازيل, أضخم دولة حجما واقتصادا, وديونا أيضا. وإذا كانت أزمة المكسيك تبعتها حلقات الموجات الناتجة عنها لتصيب عددا من دول وسط أمريكا اللاتينية باعتبارها دول الجوار, فإن أزمة البرازيل كانت موجتها أوسع وأكبر, نظرا لتسيدها (ميركوسور), أو سوق جنوب أمريكا اللاتينية الباحثة عن استقلالية اقتصادية تمكنها من الخروج من أزماتها الاقتصادية المزمنة, التي حولتها من دول جاذبة للهجرة إلى دول طاردة لشعوبها, وبشكل خاص الأرجنتين, التي كانت في الستينيات (مخزن القمح) العالمي, بل ولحومه أيضا, أي كانت رصيدا لصد أزمات المجاعة العالمية, وإذا بها تتحول اليوم إلى رمز للأزمة نفسها. فالاقتصاد الأرجنتيني عاش ولا يزال, خلال الثلاثين شهرا الماضية أزمة لم تفلح معها (روشتات) صندوق النقد الدولي المعروفة, والتي كانت في شكل قروض بلغت 18 مليارا من الدولارات الأمريكية, لا يعرف أحد شروطها الحقيقية, ولا كيفية دفعها, ولا مصروفات خدماتها المعروفة بارتفاع سعرها, كما هي عادة هذه النوعية من القروض. قبل أن تظهر آثار العافية التي أشار إليها (أطباء) صندوق النقد الدولي, جاءت نكسة مرضية جديدة أصابت الاقتصاد الأرجنتيني المتوعك بحمى من المتوقع أن تفسد (حقنة) المليارات التي منحها إياها صندوق النقد الدولي. فقد أصيبت الليرة التركية بموجة (برد) أدت إلى انكماشها بشكل مرعب, فكانت (عطسة) تلك الليرة بمثابة الفيروس الذي يخشى الاقتصاد الأرجنتيني المرهق عدواه رغم ابتعاد المسافة, وذلك لأن الأرجنتين تعرف أنه في زمن العولمة فإن فيروس الأزمات الاقتصادية ينتقل عبر خطوط الإنترنت بلا عوائق, ويشل من لا يملك الدفاعات الكافية, والاقتصاد الأرجنتيني لا يزال في طور النقاهة. ما أن بدأت تتوارد على آلات وكالات الأنباء أخبار الأزمة الاقتصادية التركية في (آسيا الصغرى), حتى أصاب الرعب قلب الأرجنتين في أمريكا اللاتينية, ودفع هذا الرعب بوزير الاقتصاد الأرجنتيني خوسيه لويس ماتشينيا إلى التعجل في عقد مؤتمر صحفي من المنتجع الذي يقضي فيه اجازته (الوقت الآن في الأرجنتين صيف لأنها تقع في نصف الكرة الأرضية الجنوبي), ولأن الوضع كان يتطلب تدخلا سريعا قبل أن تصيب عدوى تركيا العملة الأرجنتينية المتوعكة, فقد تم عقد المؤتمر الصحفي عبر (هاتف جوال), كان خلاله الصحفيون في مقر وزارة الاقتصاد الأرجنتينية في العاصمة بوينس ايريس, والوزير يتحدث إليهم من منتجع (فيا لا انجوستورا) السياحي. وفي صوت, حاول الوزير أن يجعله هادئا رغم نبرة الانفعال التي كانت بادية عليه, وهو يقول: (الأرجنتين لن تتأثر بأزمة تركيا, يحميها من تلك الأزمة الدرع التي حصلت عليها (يقصد بالطبع قرض صندوق النقد الدولي)).. ويضيف مؤكدا أن: (البلاد مستعدة جيدا منذ ثلاثة اشهر لمواجهة أية أزمة مثل هذه الأزمة). كلام الوزير الأرجنتيني كان الهدف منه توجيه رسالة عالمية للمستثمرين الاجانب, أي اصحاب رؤوس الأموال التي توجد في بلاده, أو تلك التي يفكر أصحابها في نقلها إليها تنفيذا لقواعد العولمة, أي الحصول على اكبر قدر ممكن من الارباح, مع اقل قدر ممكن من الأخطار (!). أما الطرف الآخر الذي تتوجه إليه رسالة الوزير الأرجنتيني فهو (البورصة), سواء في بلاده أو البورصات الأخرى التي تتعامل على أوراق مالية لشركات أرجنتينية معروضة للبيع, أو تلك التي تملكها شركات من الشركات العابرة أو المتعددة الجنسية, التي تستثمر في شركات أرجنتينية, وتخشى أي مظهر من مظاهر الضعف التي يمكن أن تصاب بها السياسة الاقتصادية الأرجنتينية, فتصيب رؤوس أموالهم بخسائر لا تعترف بها قواعد العولمة الاقتصادية, لأن العولمة الاقتصادية تعتمد شعارا معروفا وان لم تعلن عنه أبدا, بل وتنكره نظريا رغم أن الممارسة تؤكده, وهو مثل شعبي قديم يدل على الانتهازية: (اخطف واهرب). لكن كلام الوزير الأرجنتيني, وان كانت له آثاره الآنية بتهدئة الحال في بورصة بلاده, إلا أن اثر الأزمة التركية سوف يصل إلى اقتصاد الأرجنتين رغم انف الوزير, وبدا هذا واضحا في كلام نائبه في صباح اليوم نفسه, بل هناك من فسر تعجل الوزير عقد مؤتمر صحفي عبر الهاتف الجوال خشيته من اثر تصريحاته نائبه (دانييل ماركس) في الصباح, التي أشار فيها إلى إمكانية حدوث (أثر التكيلا), أي امتداد اثر الأزمة التركية إلى الأرجنتين على غرار ما حدث في أزمة المكسيك عام ,1994 التي أطلق الاقتصاديون على موجاتها الصوتية المؤثرة (آثار التكيلا), ذلك المشروب المكسيكي قوي المفعول الذي قد يصيب غير الخبير به بإغمائية الموت. الأزمة التركية جاءت نتيجة إفلاس مصرفي, وهو السبب نفسه المعلن في أزمة المكسيك, وكلام نائب الوزير الأرجنتيني وتخوفه من ذلك الأثر كان مدعوما بحقائق لا يمكن تجاهلها, لعل أهمها الأزمة التي يعيشها البنك المركزي (بانكو سنترال) الأرجنتيني, الذي يجري فيه التحقيق مع المسئولين عنه بسبب فضائح مالية عدة, أهمها قيامهم باستخدام البنك في غسيل أموال, وهي أزمة داخلية كافية لدفع رؤوس الأموال الأجنبية إلى الهروب سريعا قبل أن تطالها التحقيقات, وتمنعها من الهرب بغنائمها, فما بالنا لو أضيفت إليها أزمة ذات صفة دولية مثل الأزمة التركية؟ مؤتمر وزير الاقتصاد الأرجنتيني عبر الهاتف الجوال لم يكن له المفعول المطلوب منه إلا بشكل مؤقت وعابر, لأنه كان يبدو هو شخصيا غير مقتنع بما يقوله, فاختلطت معاني الكلمات والجمل لتضيف مزيدا من القلق في قلوب سامعيه, فقد طلب الوزير في نهاية حديثه مهلة لمدة أسبوع لتقدير الموقف الاقتصادي في بلاده, وفي نهاية الأسبوع ما لم يتم نزع فتيل الأزمة التركية وتأثيرها في الاقتصاد الأرجنتيني, سيكون من المحتم على المسئولين السفر في جولة طويلة مجهدة ومكلفة لإقناع أصحاب الاستثمارات في البقاء في السوق الأرجنتيني, حتى لا يصيبوا البلاد بأزمة جديدة تدفعه إلى حافة الإفلاس مجددا, تماما كما كان قبل أسابيع قليلة, أي قبل حصوله على القرض الملياري الكبير من صندوق النقد الدولي. الأزمة الاقتصادية في الأرجنتين تراوح مكانها رغم ضخ أموال قروض صندوق النقد الدولي, والعولمة الاقتصادية لا تزال تبرز وجهها السلبي القبيح, لأن الأزمات التي تحدث تطبيقا لقواعدها لا تصيب إلا دولا فقيرة تحاول الخروج من عثرتها, وتأثيرها سرعان ما ينتشر في دول مماثلة, و(العطسة) الاقتصادية التركية و(الحمى) التي أصيب بها اقتصاد الأرجنتين استجابة لها, ليس سوى دليل جديد على هذا الوجه السلبي للعولمة الاقتصادية, التي يضع الشمال نظرياتها لتكون أداته في تدمير اقتصاد الجنوب, فنحن لم نسمع حتى هذه اللحظة أن اقتصاد دولة متقدمة من دول الشمال أصابته آثار الأزمة في تركيا, أو أي من الأزمات التي حدثت قبلها في المكسيك وجنوب شرق آسيا, بل كانت بنوك الشمال تتقدم في تلك الأزمات لتلعب دور (المنقذ) لتلك الدول من أزماتها بإغراقها في مزيد من الديون, أي أنها تحقق مزيدا من الأرباح مع مزيد من الأزمات في الجنوب. كاتب مصري مقيم في إسبانيا