عندما يعتاد المرء حضور الحفلات عليه ان يتذكر اصطحاب مجموعة بطاقات تعريفية معه (بيزنس كارد) لتوزيعها مع كل ابتسامة يسددها صوب شخص تعرف اليه لأول مرة. فقد حدث ان كنت ضيفاً في حفلين خلال اسبوع واحد واستهلكت خلالهما عدداً كبيراً من بطاقاتي التعريفية وعدت بحصيلة احسد عليها من بطاقات الآخرين, ومعظم تلك البطاقات لأشخاص لو التقيتهم ثانية لما عرفت واحداً منهم, ولكن هكذا امتلأ درج مكتبي بعشرات البطاقات المذهبة والملونة واللماعة, وبعضها كانت تفوح منه روائح ناعمة جداً.. لعلها كانت تخص احدى الحاضرات, وهذا مجرد تخمين لأنها بطاقة موقعة بالاحرف الاولى من الاسم ثم اسم العائلة وبعدها المهنة. معظم تلك البطاقات كانت لمدراء يعملون في شئون شتى كما تدل التعريفات المصاحبة وهذا مدعاة للفخر لأنني حضرت حفلاً يعج بالمدراء مما يعني ارتقاء بالدرجة الاجتماعية للاختلاط بالناس واذا آمنت بالمثل القائل: (من جاور السعيد يسعد) فإنني كائن سعيد جداً لحضور ذلك الحفل. واذا قمت بعملية فرز لتلك البطاقات فإن ثلاثاً منها كانت لمدراء تسويق وثلاثاً لمدراء العلاقات العامة واثنتين لمديري حركة وواحدة لمدير ليلي في عمله واخرى لمديرة النادي الاجتماعي في مكان عملها. واذا كنت كائناً ذكياً بالمطلق ــ وهذا افتراض شخصي للاعتزاز بالذات ــ فإنني سأقوم بعملية تحليل لبطاقات المدراء تلك: البطاقة الاولى لمدير المبيعات في شركة أحذية وتعني انه بائع متمرس في شأن الاحذية ولديه على الأقل في دكانه ــ أقصد في شركته ــ ثلاثة أنفار هم الفراش والمحاسب وبائعة في قسم السيدات وهذا يعني انه مدير مبيعات. البطاقة الثانية وكانت لمدير مبيعات آخر في شركة مواد غذائية, وهو لديه على الأقل سائق لنقل الارز والبطاطا وحمال لنقل البضائع من والى السيارة وربما هناك شخص ثالث متواجد في المحل لديه فيزة زيارة ويبحث عن عمل. اما البطاقة الثالثة فيمكن ان تكون لمدير اوفر حظاً من سالفيه لأنه يسوق الأغاني او بمعنى أدق يبيع الاغاني البهلوانية لأولادنا وهذا يرشحه لأن يكون مديراً لمدرسة الأولاد بدلاً من مديرهم السمين صاحب النظارة السميكة والقرارات التي لا ترحم. وفي نتيجة الفرز الثاني لبطاقات العلاقات العامة ومدرائها يمكن اجمال المجموع تحت بند (مندوب في الجوازات او وزارة العمل او البلدية) اي ان مهمته تخليص المعاملات ومتابعتها لدى الدوائر المختصة. ولكن هذا لا يعني ان مديري الحركة اللذين اعطياني بطاقتيهما لا نصيب لهما من التحليل فهما سائقان ماهران في النهار وحارسان ممتازان في الليل ويديران كراجاً مليئاً بالسيارات والعدد الصناعية الاخرى. يبقى ان نقول ان المدير الليلي هو حارس أمن المنشأة التي يعمل بها ويمكن ان يكون (بودي جارد) من وقت لآخر, وان مديرة النادي الاجتماعي الصحي هي كوافيرة من الدرجة الاولى في صالون الحلاقة ولديها متدربة تعلمها المصلحة كما يمكن ان تكون مدلكة جيدة لعضلات الكسالى من رواد ناديها من حين لآخر. هذا تحليل افتراضي ــ حسب ذكائي ــ لمجموعة بطاقات التعريف التي حصلت عليها الاسبوع الفائت, وبجردة بسيطة يمكن القول ان منح الألقاب مجانياً اصبح متاحاً وسهلاً والحصول على لقب مدير يرضي نقصاً داخلياً لدى الانسان لذلك تراه يسرع الى الاستحواذ على اللقب دون صفاته خاصة في الشركات او المؤسسات الصغيرة التي لا يتجاوز عدد عامليها عشرة أشخاص ولكن فيها ثلاثة مدراء ورئيس ونائب للرئيس!. ولو اني واظبت على حضور حفلات اخرى لوجدت ان ادراجي تفيض بالمدراء ــ أقصد ببطاقات المدراء ــ ولا ادري ماذا سأفعل بها, لأنني لو التقيت واحداً منهم في موقع آخر لما عرفته أو لقلت له ما قاله اعرابي لرجل ادعى معرفته ليحتال عليه بعدما خلع عمامته وجبته وقفطانه: والله لو خرجت من جلدك ما عرفتك. h_s_d@maktoob.com