يبدو ان هناك شبه اجماع على وجود ازمة في الأغنية العربية وهي أزمة موروثة تتناقلها الأجيال, احياناً بسبب او بدون سبب, لدرجة ان مصطلح الأزمة صار (لازمة) نقدية يتداولها النقاد وتلوكها الألسنة مع ظهور موجات جديدة من المطربين بصرف النظر عن قيمتهم وموهبتهم ومستوى ذائقتهم الفنية. حدث هذا ويحدث عندما يفاجئ الوسط الفني مطرب او عمل يحظى باستقبال جماهيري واسع, او يبهرنا برقي نغمه وصوره الجمالية, او مضمونه السياسي. فعندما ظهرت ألحان موسيقار الأجيال الراحل محمد عبدالوهاب في الخمسينيات, وادخاله بعض الآلات الغربية وايقاعاتها, ثارت في وجهه عاصفة نقدية, واتهم بإفساد الموسيقى الشرقية, ولم يهتز, لادراكه الواعي, بأن التجديد يثير الشكوك والمخاوف قبل ان تكتب له الغلبة, مثلما حدث مع فنان الشعب سيد درويش الذي حول أغاني العمال والفلاحات الى قطع من النغم الجميل, رددتها خلفه أجمل الأصوات من كل الأقطار العربية, وبقيت خالدة على مر الزمان سواء استمعنا لها بصوته او بصوت فيروز. وعلى الجانب الآخر, يتفق النقاد على رفض مطربي الموجة الشبابية بايقاعاتها السريعة, وصخبها الخالي من الفن, والأقرب الى الضجيج و(الزار) الشعبي, ومع ذلك لا يقلع الموسيقيون الكبار عن ضخ ألحانهم لمطربي تلك الموجة بل يدفعون مطربين كبار لمجاراة تلك الموجة. ولأن مصطلح (الأزمة) هو الرد الجاهز دائماً والمتوارث يلجأ اليه النقاد والموسيقيون تلقائياً لإعلان رفضهم لأي عمل, فلقد أجمعوا في العديد من المنتديات الاعلامية على رفض ظاهرة غنائية في مصر تتمثل في ظهور مطرب جديد اسمه المطرب (المكوجي) رغم ان احد ألبوماته حقق توزيعاً فاق المليون, وأجبر كبار المطربين على سحب ألبوماتهم من أمامه. ونسي النقاد والموسيقيون ان ظاهرة المطرب المكوجي نجحت هذه المرة, لسبب مختلف تماماً, لا علاقة له بمستواه الفني ومدى صلاحية صوته فنياً, او مستوى الألحان التي يقدمها, فلقد حقق نجاحاً مدوياً ومفاجئاً له قبل غيره, بسبب اغنية يتيمة, كلماتها بسيطة بساطة اي شخص من شخصيات الشارع من يشار لهم بـ (العامة) الا انها التقطت خيط المشاعر التي تحلق في سماء وطننا العربي, وتستوطن قلب كل ممن يتحلى بأصالة الانتماء لهذه الأمة, وتجري في عروقه نخوة الكرامة العربية, التي لا تخفى غضبتها على اسرائيل وما ترتكبه من جرائم وحشية ضد شعبنا العربي في فلسطين منذ خمسة شهور افتتحتها بتدنيس السفاح شارون للحرم القدسي. وعلى ايقاع مظاهرات الغضب في الشوارع العربية دوى نجاح اغنية (أنا بكره اسرائيل) للمطرب المكوجي لأنها للمرة الأولى خلال العشرين عاماً الأخيرة تردد علناً وبالغناء مشاعر الشعب تجاه اسرائيل وكراهية مجرميها وسفاحيها.. تقول الأغنية البسيطة: (انا بكره اسرائيل.. حتى لو دخلت المعتقل أو أروح قتيل). صحيح ان المطرب المكوجي حصل على نجوميته بهذه الكلمات, واستعاد احتراماً وتقديراً لم يكن يتوقعه, بعد ان ادمن نيل جزاء (مطرب الأخبار) كما يصوره الثنائي الساخر احمد رجب ومصطفى حسين. ولا ندري الى اين سيتجه المطرب المكوجي بعد النجاح السابق لألبومه, ولكن ستبقى أغنيته شاهداً على مرحلة حتى وإن تلاشى هو كغيره من الظواهر سريعة التلف, فهذه حال غناء هذه الأيام.