لا أذكر إن كنت قد استمعت بتركيز إلى نشرة الطقس الصباحية في الراديو الذى استيقظ على صوته, ربما كنت مشغول الذهن بأمر ما من الأمور التى افكر فيها هذه الأيام. المهم أننى لم ألتقط في ذاكرتى سوى أن المذيع ذكر شيئا عن احتمالات سقوط الثلج اليوم مع رياح ما, ولعلنى فهمت أن هذا لن يحدث الا في المساء, وخلطت بين معنى كلمة (متأخر) وكلمة (المساء) أو لعلنى لم أنتبه الى كلمة (بعد الظهيرة) التى اعقبت كلمة (متأخر) فخرجت من المنزل وأنا لا أرتدى سوى معطفى الثقيل ونسيت غطاء الرأس الصوفى السميك الذى يستر الأذنين ويحميهما من البرد القارس, كما نسيت مظلتى التى تحمينى من المطر, وتوكلت على الله, وخرجت الى الطريق, ولم أتردد في السير لأن الجو كان صحوا, والشمس موجودة مع البرد القارس المحتمل مع رفع ياقة المعطف واغلاق زراره الأعلى الذى يحمى أعلى الصدر وبعض الرقبة. وأنهيت عملى في الجامعة سريعا, وقلت لنفسى: مادامت الشمس موجودة على هذا النحو, فلأذهب الى المكتبة الكبيرة التى تبيع الكتب والتى تقع بالقرب من (ميدان هارفارد) المواجه لأسوار جامعة هارفارد. وبالفعل اخذت طريقى, عبر حدائق الجامعة, وممراتها الجميلة التى لا تزال محتفظة ببقايا الثلج الذى سقط في الاسبوع الماضى وخرجت من اسوار الجامعة وذهبت الى المكتبة, وقضيت ساعة أو أكثر وأنا أتفحص الكتب, ثم انتقلت من جناح بالمكتبة الى جناح آخر, عبر ممر زجاجى يمر من أعلى شارع صغير. واستوقفنى منظر السماء خارج زجاج الممر, اختفت الشمس المشرقة الساطعة, تاركة بقايا ضوء متثلج, والثلج يتساقط من السماء كأنه نديف القطن الذى يتناثر عندما يتم تنظيفه, وأعجبنى المشهد, فوقفت أرقب تساقط نديف الثلج الذى أحبه, وأبحث في ذاكرتى عن كلمات تصف هذا النديف, أو تميز بين حالاته المختلفة واكتشفت أن اللغة العربية على الاقل اللغة العربية التى أعرفها لا تعرف أشكال التمييز بين نديف الثلج الصغير ونديفه المتوسط, أو بين قطعه المختلفة الهابطة من السماء وحدها, أو المصحوبة بالمطر, ويبدو أن كله (ثلج) في اللغة العربية. ومضيت في خواطرى وأنا أشهد تشكلات نديف الثلج المختلفة, وأشعر ببهجة طفلية. وتذكرت مشاهد تساقط الثلج التى رأيتها منذ ربع قرن تقريبا, عندما جئت الى الولايات المتحدة لأول مرة, وعملت فيها استاذا زائرا في جامعة وسكنسون في الغرب الاوسط. وتصادف أننى كنت في الشارع حين تساقط الثلج للمرة الاولى في ذلك الشارع البعيد فوجدت الطلاب والطالبات يصنعون من النديف المتساقط كرات يتقاذفونها, ويلهون بها, ولم ينقض النهار الا وكان بعضهم قد صنع تماثيل الثلج الناعم مع أصدقائي الذين كانوا يتقلبون على الثلج بسعادة غامرة, معبرين عن فرحتهم بمقدم الثلج, وذلك بقدر لم يقل عن فرحتهم التى أبدوها عندما انتهى فصل الشتاء, وأقبل الربيع, فتدافع الطلاب والطالبات فرحين بمقدم الشمس الساطعة, يخلعون ملابسهم الثقيلة بينما يجرون معا, كأنهم يؤدون رقصة (استربتيز) جماعية. ويبدو ان البهجة التى غمرنى بها تداعى الذكريات المفرحة عن هبوط نديف الثلج قد حركت قدمى, ودفعتنى الى النزول الى الطابق الأرضى من المكتبة, ومن ثم الخروج الى الطريق. وما أن خرجت من الباب الرئيسى حتى واجهت مشهدا مختلفا لم ألحظه وأنا مستغرق في تأمل تساقط نديف الثلج من السماء على الشارع الفرعى الذى كنت أرقبه من وراء الزجاج, ووسط حرارة المكيفات العامة. الآن اصبحت على رصيف الطريق الرئيسى المتسع, ولا شئ يحمى وجهى من نديف الثلج المنهمر, والمتدافع مع الريح ليصفح الأوجه ويلسعها على السواء. الجميع من حولى كانوا يندفعون مسرعين ليفروا من (قرصات) نديف الثلج في الوجه, وغزارتها المؤلمة في اصطدامها بالوجنتين أو الجبين كأنه لسعات السياط. فجأة انقلب جمال نديف الثلج الى قبح, الجمال الذى استمتعت به محتميا وراء دفء الزجاج اختفى نهائيا, واصبحت وحيدا مع هذا النديف الذى توحش بسبب تسارع وحدة الريح, وأدركت, متأخرا بالطبع اننى وحيد بين كل البشر المتدافعين الذى لا يغطى رأسه, ولا يحمل مظلة, وعندما نظرت الى معطفي وجدت لونه الأسود قد تحول الى كرنفال من تدرجات اللون الأبيض التى صنعتها ندائف الثلج أو قذائف الثلج بلا فارق. واخترقنى الاحساس بالبرد والبلل بعنف, ولم أجد ما أحمى به نفسى سوى أن أدخل أقرب كافيتيريا قابلتها, ولحسن الحظ كانت واحدة قريبة منى, فدخلتها عدوا, ووقفت ألهث وراء جدارها الزجاجى الذى يطل على الطريق. وبعد أن جففت ما استطعت من بللى, وأزحت عن ثيابى ما استطعت من نديف الثلج, طلبت قهوة أمسكت بوعائها الساخن بين يدى حتى أشعر بالدفء, وأخذت أراقب صراع البشر مع عاصفة الندائف الثلجية التى اخذت تتزايد, واخذت أشارك كل القادمين الى الكافيتيريا لاعانتهم على هذا الطقس الفظيع, وعلى هذه العاصفة الثلجية, وحمدت الله على اننى قد احتميت منها مؤقتا. ولكننى لم استطع مقاومة السؤال على حال هذه البلاد قديما, قبل أن يخترع الإنسان مايحميه من البرد والعواصف. ويبدو أن خاطرا خبيثا هو الذى همس في أذنى بأنه سبب تقدمهم, فطبيعتهم القاسية دفعتهم الى ترويضها والسيطرة عليها بمخترعاتهم. وقلت لنفسى: لعلنا نصبح مثلهم يوما, ونتغلب على ما هو أقسى من هذه الطبيعة في الحياة التى نحياها في وطننا العربى الكبير الممتد من المحيط الى الخليج. وبالطبع, ماكان يمكن أن أظل محتميا بالجدار الزجاجى للكافيتيريا, فقد دخلت احدى السيدات, وقالت بلهجة سكان الولاية: هذه العاصفة الملعونة ستستمر الى صباح الغد. صباح الغد؟! ماذا أفعل؟! هل استأجر هذا المقعد لأحتمى به الى صباح الغد؟! المؤكد انه من المستحيل أن أمضى الى الشارع, وأذهب الى منزلي القريب مع وجود هذه الندائف المتوحشة. ولاحظت أن مدخل نفق المترو على بعد خطوات من الكافيتيريا التى أجلس فيها, فقررت الجرى الى مدخل المترو فورا. وبالفعل اندفعت برشاقة شاب جاوز الخمسين من العمر, ممتلئ الجسم بالشحم واللحم, فوصلت الى نفق المترو, ووقفت داخله لاهثا من الجرى لهذه المسافة القصيرة, مطاردا بندائف ازدادت توحشا, ولمعت في ذهنى فكرة وجدت فيها الحل. وقلت لنفسى فلأركب مترو الانفاق الى مدينة بوسطن القريبة, وأنزل في المحطة التى تفضى الى الدور الاسفل من محلات (فايلين) وهناك, اشتري شمسية جديدة وغطاء رأس جديدا, أعود بهما الى المحطة القريبة من بيتى, وحصلت على (التوكن) النحاسية (التذكرة) من الشباك المخصص لها, وأخذت المترو وبالفعل الى مدينة بوسطن التى تقع على الضفة الأخرى, من نهر شارلز الذى تقع مدينة كمبردج وجامعة هارفارد على ضفته المقابلة. ووجدت غطاء رأس جديداً لم أتردد في شرائه مع انه أقل اناقة مما هو عندى بالفعل. وبحثت عن الشمسية طويلا فلم أجد الا شمسية نسائية, مطرزة الأطراف, فاشتريتها معزيا نفسى: من الذى سوف يتطلع الى شمسيتى في هذا الطقس. ولم أنس شراء (قفاز) جديد. وبعد أن تجولت ما شاء لى مزاجى في المحلات التى يجد فيها الانسان كل شئ, وتعبت قدماى من التجوال تحت الأرض, عدت الى المترو الذى حملنى الى المحطة القريبة من بيتى. وخرجت من المحطة مغطيا رأسى وأذنى تماما, محتميا بالشمسية التى جعلت منها درعا يحمي وجهى من تدافع قذائف نديف الثلج, ممسكا بها بقوة من خلال القفاز الذى جعلنى مع بقية ما اشتريت أحتمل هذه القذائف وأقاومها بصعوبة لا أنكرها الى أن وصلت الى دفء منزلى. وجلست استريح واتطلع بغيظ الى نديف الثلج.