عندما يقول وزير الخارجية الامريكي الجديد كولن باول ويكرر القول مرارا ان بقاء الرئيس صدام حسين على السلطة (يعرض شعب العراق للخطر عبر اعادة بناء جيشه وانتاج اسلحة الدمار الشامل) فإن هناك هاجسين محددين يعتملان في مؤخرة ذهن الوزير الامريكي: ضغوط في مجلس المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة ومصالح المجمع الصناعي العسكري الذي يتكون من كبرى شركات انتاج الاسلحة الامريكية. واذا كان تحرك باول المحموم في الشرق الاوسط ومن ورائه ادارة بوش مدفوعاً بضغوط ومصالح امريكية فما هي مصلحة دول عربية في التجاوب مع مطلب امريكي اليها بمجاراة واشنطن في استمرار الحصار ضد العراق الشقيق بصورة أو بأخرى؟ إن مجلس المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة هو الذي يقيم الادارات الامريكية او يقعدها مستغلا وضعه الاحتكاري المتميز في النظام المصرفي الامريكي بصفة خاصة باعتباره القطاع الذي يتحكم تمويلياً في كافة القطاعات الانتاجية والخدمية الاخرى. هذه حقيقة من حقائق العصر الامريكي والعالمي الحاضرين. فالقوة الرأسمالية اليهودية داخل الولايات المتحدة هي التي تحكم عن طريق التمويل أو الحرمان من التمويل مسار ونتائج الانتخابات الامريكية بمستوياتها الاقليمية والقومية بما في ذلك الانتخابات الرئاسية. وإدارة جورج بوش الابن الراهنة ليست استثناء. فالرئيس بوش هو احدث حلقة في سلسلة من الرؤساء بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة ابتداء من عهد هاري ترومان الذين يتحركون وفق الاجندة اليهودية الامريكية المنطلقة من اعتبارات حماية الدولة اليهودية الاسرائيلية. من هذا المنظور لا يختلف كولن باول في نظرته الى العالم العربي عن مادلين اولبرايت وجيمس بيكر وسابقيهما في الادارات المتعاقبة, فهو يخاطب العرب نيابة عن تلك القوة الداخلية في الولايات المتحدة التي يعلم علم اليقين انه لولا سندها لما كان له مكان في ادارة بوش. في الوقت نفسه لابد ان يتعامل باول مع الحكومات العربية كمندوب مبيعات لكبرى شركات انتاج الاسلحة الامريكية ــ بوينج وجنرال داينامكس وماكادونيل دوجلاس ــ وهو يرتدي قناع وزير خارجية. فالمجمع الصناعي العسكري هو اليوم عماد الاقتصاد الامريكي بعد تدهور قطاعات الصناعات المدنية وفي مقدمتها صناعة السيارات في وجه منافسة يابانية وعالمية حادة. ما علاقة هذا كله بالعراق ومستقبله كدولة؟ من منظور الامن الاسرائيلي يعتبر العراق قوة اقليمية عربية ذات خطر استراتيجي كامن على مستقبل الدولة اليهودية بما يتوافر لديها من حجم سكاني وموارد اقتصادية وبشرية متنوعة وتاريخ من الاستهداف الراديكالي لإسرائيل وتهديد بقائها. بالتالي, يجب من المنظور الامريكي, عدم السماح للعراق باستعادة ذاته وذلك بإبقائه رهن الحصار الى الأبد.. أو لأطول زمن ممكن حتى يرتد الى العصر الحجري. من ناحية ثانية, ومن المنظور الامريكي ايضا, فإن عراق ما بعد تحرير الكويت إن يخدم, يخدم غاية ترويجية لتجارة السلاح الامريكية. ومن هنا نفهم سياسة التهويل والترعيب التي صدع بها كولن باول: فالعراق يشكل (خطراً) مستقبلياً جسيماً على جيرانه وعلى العرب اجمعين اذا سمح له بالخروج من قفص الحصار.. سوف يعيد بناء جيشه وامتلاك اسلحة الدمار الشامل ليكرر تجربة غزو الكويت. بناء على هذا التهويل والترعيب فإن المطلوب من الدول العربية امريكيا شيئان: أولاً دعم جهود واشنطن لإبقاء الحصار, وثانياً التجهيز للمستقبل بسلسلة من مشتريات السلاح الامريكي. هذه هي المصلحة الامريكية.. فما هي مصلحة الدول العربية في التجاوب مع واشنطن؟