ولد اعلان دمشق في ظروف عربية ودولية خاصة: فمن ناحية كان القصف الجوي لايزال مستمرا على الاراضي العراقية توطئة لتحرير الكويت, ومن ناحية أخرى كانت المنظومة العربية في حالة انقسام وصل الى حد العداء, ومن ناحية ثالثة كان الاتحاد السوفييتي يلتقط أنفاسه الأخيرة قبل الاعلان الرسمي بتلاشيه كإحدى القوتين العظميين. تضمن الاعلان الذي صدر في 6 مارس 1991 أن القوات المصرية والسورية المشاركة ضمن قوات التحالف هي نواة لقوة سلام عربية لضمان أمن وسلامة الدول العربية في منطقة الخليج, ونموذجا يحقق ضمان وفاعلية النظام الأمني العربي والدفاعي الشامل. وهكذا فإن العمود الفقري للاعلان كان أمنيا بطبيعته, وذا اطار عربي بالضرورة, ويتبنى مفهوم الأمن القومي العربي بشكل يستبعد منه أي شريك غير عربي في ترتيبات الأمن الاقليمية بين دول الاعلان على الأقل. وقد سعت أطراف هذا الاعلان الى تجسيده باضافة البعد الاقتصادي لهذا التجمع, وهو ارتباط لا غنى عنه مابين الأمن والاقتصاد, فكلاهما يفضي الى الآخر ويحميه, الا أن النظرة العامة على ماحققه هذا التجمع حتى الآن تشير الى أن الواقع لم يكن على مستوى الطموح, والتطبيق بعيدا عن النظرية. أدى ذلك الى نوع من الحيرة والبلبلة لدى المراقبين الذين تساءلوا عن جدوى استمرار هذا التجمع, مستندين الى أنه لم يحقق أي هدف من أهدافه, فمن زاوية الأمن الجماعي الاقليمي تزايد اعتماد الخليج على التواجد الفعلي للقوات الأمريكية وشجبت فكرة الاعتماد المتبادل بين دول الاعلان في تحقيق الأمن الاقليمي, ومن الزاوية الاقتصادية تعذر على الدول الثماني أن تتقدم بنموذج للتعاون الاقتصادي الجماعي, وإن كان ذلك لاينفي وجود بعض الانجازات على المستويات الثنائية, ويرى هؤلاء المراقبون ان ما تبقى من هذا الاعلان هو قيد سياسي على بعض الدول الأعضاء, يحد من حرية حركتها في المناورة السياسية. الا أنه من ناحية أخرى, يرى أنصار استمرار وجدوى هذا الاعلان انه يمثل تجمعا يضم بين دفتيه دول الثروة, ودول القرار, وهو مزيج يتيح امكانيات هائلة للحركة اذا أحسن استغلاله, كما انه يعتبر في أضعف احتمالاته منتدى لتبادل الرأي والتنسيق, يبقى دائما احتمال تفعيله وتطويره في ظل الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية التي لا يتصور ثباتها في أوضاعها الحالية. ان الموازنة بين الاتجاهين السابقين قد ترجح استنفاذ الاعلان لقيمته من حيث كونه اطارا لتنظيم أمني اقليمي, حيث ان ذلك الاطار كان يمثل (العمود الفقري) لهذا الاعلان, فاذا كانت بعض أطرافه قد آثرت تقليص هذا الإطار, أو التملص منه تدريجيا, فإن الاعلان بذلك يصبح هيكلا متهاويا, خاصة وأن تلك الأطراف دخلت في ترتيبات أمنية مع قوى من خارج المنطقة, مستندة الى تلاق في المصالح معها سواء صح هذا التلاق أم لم يصح خاصة على المدى الطويل. كما انه لا يبدو هناك طائل من محاولة توجيه دول الاعلان الى نوع متميز من التعاون الاقتصادي في ضوء أن دول مجلس التعاون الخليجي نفسها لا تزال تواجه صعوبات في توحيد أسواقها, بل وبدأ بعضها يتعرض لأزمات اقتصادية مرتبطة بتأرجح أسعار البترول والخلل الهيكلي في بعض اقتصادياتها, فضلا عن أن التطورات الاقتصادية الدولية, والدور الذي ستلعبه منظمة التجارة العالمية يتجاوز بالفعل كل مايمكن التوصل اليه في اطار الاعلان. كل ذلك يعني انه وبعد عشرة أعوام من نشأة هذا التجمع, حان الوقت لاعلان وفاته بشكل رسمي بكل ماتستحق من الإجلال والإكبار ضمن رفات أحلام أخرى عظيمة عاشتها الأمة العربية إلا أن ذلك يعد تطورا له تداعياته السلبية المباشرة على العلاقات البينية بين أطراف, فضلا عن أنه مؤشر سيئ لاحتمالات العمل العربي المشترك, وغنى عن القول أن تخفيف آلام المريض لا يمكن أن تكون مبررا لقتله, وانما الاجتهاد لايجاد الدواء المناسب لحالته, لذلك فمن التصور أهمية الابقاء على هذا الاطار مع محاولة تعظيم منجزاته في أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية والاعلامية وغيرها, مع تلافي الآثار السلبية قدر الإمكان, فلا شك أن تجمعا يضم ثماني دول عربية يمثل وزنا لا يستهان به اقليميا ودوليا. فقد لا يرقى تجمع دول اعلان دمشق الى مستوى الحلف العسكري, وان كان في بنيانه النظري يمكن أن يعطي هذا التصور, بل في أمنيات الوحدويين يجب أن يتجسد فيه هذا التصور, والمسألة لا تقتصر هنا على أرقام حسابية جامدة لاعداد القوات والأسلحة وأنواعها, وإنما تتجاوز ذلك إلى فكرة (الكتلة الاستراتيجية المؤثرة), التي يمكن أن تمثل صخرة تتحطم عليها محاولات التأثير والتغلغل والسيطرة, سواء أكانت تلك المحاولات ذات صبغة صهيونية, أم كانت ذات نكهة مذهبية عقيدية, كما أنها نفس الصخرة التي يمكن أن تكون حجر الزاوية في بناء أعم وأشمل من مجرد الدول الثماني, وهذا طموح مشروع وممكن, بل ومطلوب بشدة في زمن تهب فيه عواصف العولمة حاملة بين ماتحمل بذورا شيطانية مدمرة تضرب في أرض الهوية والعقيدة, وتزلزل التراث المحفوظ, وتشق الصف المتراص. ربما لاتزال فكرة (الحلف العسكري) جنينية, أو بعيدة المنال, ولكن لا شك أنها تراود كل من يحلم بواقع أكثر أمنا ليس فقط للدول الثماني, بل للمنطقة كلها, ولا جدال في أن هذه الفكرة كانت في تجارب الشعوب وعلى مر التاريخ احدى أهم أسس عصور النهضة, لأن الأمن هو أحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية, وأجازف بالقول بأن هذه الفكرة يجب أن تطرح بقوة في ظل تلك القوى الاقليمية التي بزغت مدججة بعناصر من القوة الشاملة التي تتيح لها فرض السيطرة لمجرد التلويح بها دون التورط في استخدامها بالفعل. إن المشكلة الحقيقية التي واجهت شعوبنا هي أننا كنا ننتظر وقوع المصائب والكوارث كي نتحرك لمواجهتها, دون محاولة جادة لتقمص دور (زرقاء اليمامة) أو فهم معنى سيرتها, فلقد اعتبرها (قصار النظر) مريضة بــ (بعد النظر) لذلك فإن الحاجة ماسة لقراءة مفردات الحاضر ووضع سيناريوهات المستقبل بشكل علمي منهجي, وبناء خططنا طبقا لتلك القراءة, ودون تفلسف أو ادعاء فإن صيغة (اعلان دمشق) لا ينبغي ان تفلت من صانعي القرار في المنطقة, حيث كانت في مخطوطتها الأولى قراءة واعية وتقدمية, قد تحتاج الى بعض الرتوش والتعديلات كي تتجدد في ظل قراءة جديدة أكثر وعيا وتقدما. وشروط القراءة الجديدة عديدة, ولكن أبرزها هو رفع الحساسية وتطبيق الشفافية والصراحة, وكذلك أهمية أن تحدد على الأرض الأسهم المطلوبة لاعلاء بناء تلك الصيغة, دون افراط أو تفريط, ودون خوف أو خجل أو مجاملة, وليكن ميدان الاقتصاد البداية الحقيقية من خلال تخطيط جيد لتبادل تجاري حر, وحرية لتنقل الأفراد والسلع والخدمات, ودراسة احتياجات التنمية البشرية, وامكانيات التكامل وبناء قاعدة صناعية تستهدف أولا وقبل كل شيء تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي. ولابد أن يتواكب مع ذلك تقارب ثقافي واعلامي, ليس في شكل التلقين الرسمي, وانما من خلال تبادل المعسكرات الشبابية, والانسياب الفكري بين الحدود من خلال الندوات والمحاضرات واللقاءات العلمية, بهدف الحفاظ على الهوية الثقافية وحمايتها من عوامل التعرية التي تنخر فيها من السموات المفتوحة. ثم وبنفس الترتيب, يأتي التنسيق السياسي اللازم في مواجهة القضايا الملحة, ليس فقط من خلال لقاءات قيادات الصف الأول, بل بتعميق الاتصال بين كل درجات هرم صنع القرار, والتركيز على أجيال الشباب. ان الوثائق الأمريكية والاسرائيلية التي أفرج عنها مؤخرا, تكشف عن مدى الهلع الذي أصاب دوائر صنع القرار لديهما لمجرد الاعلان عن تشكيل القيادة العربية الموحدة في منتصف الستينيات رغم كل ماشابها من عوار وقصور ولقد كشفت تلك الوثائق أيضا عن محتواها, ووصلت تلك الجهود الى ذروتها في الضربة العسكرية القاسية التي أصابت الجيوش العربية في يونيو 1967. لدينا في صيغة اعلان دمشق كل عناصر القوة, والمطلوب فقط هو تفعيلها, أي تحويلها من مجرد صيغة (انشائية خطابية) الى خطة عمل زمنية, فإذا ضاعت منا الفرصة فلا نلومن سوى أنفسنا. كاتب مصري