باول قال كلمته. وقبل ذلك قال شارون كلمته. وكلتا الكلمتين تحملان من التوافق والتناغم بين الدولة الأمريكية العظمى والدولة الصهيونية الحليفة ما لا يترك زيادة لمستزيد. فماذا يقول العرب الآن.. وبالأحرى, إن شئنا الدقة, ماذا يقول حلفاء واشنطن من بين الدول العربية؟ وربما يكون السؤال الاستهلالي غير ذلك. فكيف تكون دول عربية (حليفاً) للولايات المتحدة بينما واشنطن هي في الوقت نفسه (الحليف) المعروف بالألف واللام للدولة اليهودية ـ العدو الاستراتيجي الأول للعرب والمسلمين أجمعين. جاء كولن باول برسالة محددة وقاطعة أبلغها العواصم العربية التي زارها وقابل أولي أمرها على أعلى مستوى بصراحة بلغت حد الوقاحة وسوء الأدب: العراق قضية الساعة.. والصراع العربي الإسرائيلي ليس له سوى مرتبة ثانوية. أما رسالة شارون التي سبق بها وزير الخارجية الأمريكي الجديد وكررها على مسامع الفلسطينيين والعرب لدى وصول كولن باول فلم تكن أقل قدراً من الرسالة الأمريكية سواء من حيث المباشرة الحادة أو التبليغ الوقح: القضاء المبرم على الانتفاضة الفلسطينية هو قضية الساعة.. وكل ساعة. ولا تفاوض مع عرفات إلا إذا نهض أولاً ودعا شعبه إلى (وقف العنف).. وثانياً, وافق على إعادة (التنسيق الأمني) مع إسرائيل. ولكل من باول وشارون حيثياته. فبالنسبة إلى المسألة العراقية يقول باول ما يلي: * إن العراق لا يهدد الولايات المتحدة وانما يهدد (هذه المنطقة) (أي العالم العربي) وأطفال مصر والكويت والسعودية. * إن العراق يرفض التخلي عن السعي إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل. * إن هناك ضرورة لمواصلة فرض الحصار على العراق بأسلوب جديد. ومغزى الرسالة الأمريكية إلى العرب على هذا النحو هي أن العدو الأول للأمة العربية ليس إسرائيل.. وانما هو العراق. وعلى العرب إذن أن يتناسوا أنه حتى لو كان هناك خطر عراقي على الدول العربية الأخرى ابتداء من دول الجوار من خلال الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل فإنه بعد تدمير ترسانة الأسلحة العراقية يبقى في أسوأ الأحوال خطر محتمل قد يصدقه المستقبل غير المرئي أو يكذبه. وفي الوقت نفسه يتعين على العرب بالقدر نفسه أن يتناسوا أن الخطر الإسرائيلي ماثل وواقع وملء العين والأذن, وليس مجرد احتمال مستقبلي. هو حقيقة ملموسة وفقاً لتقارير معاهد الاستراتيجية العسكرية الغربية نفسها التي تفيدنا بأن مخزون إسرائيل النووي يتجاوز مئتي قاذفة نووية.. إضافة إلى مخزونها من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. فلمن تدخر إسرائيل هذه القوة التدميرية الرهيبة؟ وعندما يقول كولن باول إن العراق لا يمثل خطراً مستقبلياً على الولايات المتحدة فإنه لم يقل إلا حقيقة.. لكنها نصف الحقيقة. فما لم يقله باول إن العراق رقم عربي رئيسي يمثل خطراً مستقبلياً جسيماً على إسرائيل إذا سمح له بإعادة بناء قوته الذاتية, وبالتالي التحرك الحر على ساحة الشرق الأوسط ولم يشأ شارون بدوره أن يقول إن التركيز الأمريكي على العراق يلائم اعتبارات أمن إسرائيل تماماً. إذن, وعلى ضوء كلمة باول وكلمة شارون, ماذا تقول الدول العربية المصنفة كحليف للولايات المتحدة؟ هذا هو السؤال الأكبر الذي تتلهف الشعوب العربية لسماع الإجابة عنه.