حصار العراق يشبه الفيروس الذي يصيب اليوم منطقة الشرق الأوسط وغداً سوف يصيب العالم. بهذه العبارة افتتحت صحيفة (لوموند) الفرنسية الشهيرة مقالها الطويل حول ما سماه بيان الخارجية الفرنسية (القصف المنافي للقانون الدولي) ليوم الجمعة الماضي والذي نفذتها الادارة الامريكية والحكومة البريطانية على مواقع عراقي. نعم إن حصار العراق اصبح لغزاً محيراً لأن الملف العراقي لم يجد حلاً ولا يمكن ان يجد حلاً في زمن منظور. فقد جمع الملف العراقي كل مصائب وخيبات وهزائم الجيل العربي الماضي منذ حرب 5 يونيو 1967 ولكن أيضاً وللأسباب نفسها جمع كل تطلعات وطموحات وانتصارات الجيل العربي الراهن الذي استوعب الدرس... درس ضرورة الوحدة العربية الصحيحة أي غير المملاة بالشعارات الفوقية, ودرس ضرورة بناء المؤسسات المدنية الدستورية على قاعدة الاختلاف السليم والتداول الحكيم ودرس ضرورة الاستقلال الحقيقي أي القائم على اطلاق طاقات الابداع والبحث والانشاء والابتكار في المجتمعات العربية. إن حصار العراق سيظل يتراءى لنا كالشبح المخيف كلما أخطأنا التشخيص والعلاج وكلما أوكلنا ــ باختيارنا أو مضطرين ــ حل تلك المعضلة للامبراطورية الأمريكية وحدها. ونحن العرب نقف اليوم على مفترق طرق حضارية وتاريخية مهمة وحساسة. إن علينا ان نواجه ملف العراق مجتمعين على الأهداف حتى ولو اختلفنا في الوسائل. نحن اليوم في مفترق الطرق... نقرأ الأحداث لكن الأحداث تتسارع وتفاجئنا بل وتصدمنا وتهزنا هزاً عنيفاً لتفضح عجزنا. وهذا العجز ليس جديداً... اننا نشعر به للمرة الثالثة في غضون عشرين عاماً. المرة الأولى حين فوجئنا بالحرب المدمرة ذات السنوات الثماني بين العراق الشقيق وإيران الثورة. فلم يكن لنا دور لا كعرب ولا كمسلمين لوضع حد لتلك المأساة الدموية حتى تعب المقاتلون ونزف المحاربون ونفخ في صور النهاية المروعة. والمرة الثانية حين فوجئنا... بل صُعقنا ليلة 2 أغسطس 1990 باحتلال القوات العراقية للشقيقة الكويت فأفقنا صباح 2 أغسطس على مشهد سريالي عربي جديد تماماً: الموازين مقلوبة والمعادلات فوضى والسياسة عاجزة والوجوه فزعة وجامعة الدول العربي كانت كأعجاز نخل خاوية والإخوة الكويتيون الشرفاء الذين عاشرناهم وتعاملنا معهم وعرفناهم وأحببناهم يضربون في أرض الله مشردين وبلادهم محتلة والاخوة العراقيون الذين وضعنا فيهم آمالنا وعلقنا عليهم طموحاتنا لعلّهم يكونون رواد نهضتنا التكنولوجية... وجدناهم هم كذلك إما سجناء العراق أو مهاجرين في أرض الله... والمرة الثالثة وجدنا نحن انفسنا جميعاً قلوبنا شتى وعقولنا شتى أمام هذا الحصار الذي طال وطال ولم يحقق إلا خراب شعب العراق وتصاعد مبيعات الأسلحة الأمريكية للمنطقة وتدحرج القضية الفلسطينية الى زقاق مسدود... ثم الى إبادة جماعية مبرمجة بدأت يوم 28 سبتمبر 2000! القضية الجوهرية... بل أم المعارك العربية الراهنة هي أن نجتمع لا على مستوى الحكومات فقط كما تعودنا منذ نصف قرن بل وكذلك على صعيد مؤسسات المجتمعات المدنية العربية: جامعات ومراكز بحث وجمعيات أهلية وكفاءات عالية داخل وخارج أوطاننا... عسى ولعلّ نأخذ المبادرة من أيادي جنرالات (البنتاجون) ونعالجها بمنأى عن الأحقاد الدفينة والحسابات الضيقة والحساسيات المفرطة وبرؤية مستقبلية وباستشراف مصيري حتى نخطو الخطوة الأولى نحو تجاوز المأساة العراقية... التي هي بالضرورة مأساة عربية.