لاشك أن إندونيسيا شهدت منذ ما يقارب ثلاث سنوات ونيف جملة من التغيرات المذهلة, طالت كل المؤسسات السياسية السلطوية والأهلية بلا استثناء, حتى أن هذه التغيرات الدراماتيكية غيرت في بنية النظام السائد وطريقة معالجته لجملة القضايا المعقدة المفتوحة على كل الاحتمالات, بما في ذلك الصراعات الاثنية والدينية. خاصة وأن الحكومة الجديدة برئاسة عبد الرحمن واحد ورثت الكثير من المشكلات المعقدة التي غالباً ما تبدو بأنها عصية على الحل, بسبب مسلسل التفتيت الذي يرتدي ثوب الطائفية. أي أنها جاءت على أنقاض وبقايا حكومة كانت تعيش كل أنواع الأزمات بداية من لقمة الخبز والفوارق الطبقية والاجتماعية وانتهاء بالتوافق على تركيبة وزارية سلطوية من شأنها أن تجد ولو بعض المخارج البسيطة لجملة الأزمات الحادة والمزمنة التي تعصف بالبلاد. فقد ظنت هذه الحكومة منذ اليوم الأول لتسلمها مقاليد السلطة, أنه إذا ما حجم دور العسكر الإندونيسي الذين يشغلون مكانة خاصة واستثنائية في عقيدة الحكم الإندونيسي منذ الاستقلال, بداية من المناصب الرفيعة وانتهاء بالدور الذي يشغلونه بالبرلمان الإندونيسي المؤلف من 500 مقعد لهم فيه ما يقارب 38 مقعداً أي نصف العدد الذي كان في الحكومات السابقة, سيؤدي إلى حالة من الاستقرار وسيعيد اللحمة فيما بين الجزر المطالبة بالانسلاخ عن الوطن الام إلى الهدوء والعودة عن مطالبهم من جهة, ونزولاً عند الرغبة الشعبية العامة الجامحة والمأزومة, المطالبة بإلغاء الامتيازات الممنوحة لهم من جهة أخرى. لكن على ما يبدو أن الحكومة الإندونيسية في كل ما قامت به من خطوات بداية من التهدئة وانتهاء بتحجيم دور بعض الجنرالات لم يكن هو السبب في ما تعيشه الدولة الإندونيسية, وأن ثمة أسباب كثيرة وخطيرة كامنة هي التي تدفع بالمجتمع برمته إلى حافة الهاوية. ولعل من أولى هذه المكانزمات المحركة والفاعلة كانت ولا تزال القوى الخارجية التي أنجزت الخطوة الأولى على الطريق من خلال استخدام الأمم المتحدة كحصان طروادة ونجحت في فرض شروطها على حكومة جاكرتا بالانسحاب من تيمور الشرقية, والتي كانت تعتبر خطوة كما أسلفنا, باتجاه جملة من الخطوات القادمة المرسومة والمؤسسة على أساس من التفكير البوليسي, باعتبار أن حمى العدوى ستنتقل إلى جزر وارخبيلات أخرى. ومن شأنها _الخطوة - أن تثير شهية الكثير من الاقليات الدينية والعرقية على التفكير بالاستقلال أو على أقل تقدير التحلل من العلاقة مع جاكرتا, بحيث تنتقل هذه العلاقة من المركزية إلى اللامركزية كمقدمة للانحلال والانعتاق من العلاقة مع المركز كخطوة ثانية تليها. ولعله من المثير للغرابة أو الجدل بعض الشيء أن إندونيسيا تعتبر هذه الأيام أحد أهم الاستهدافات السياسية الكبرى لدى الكثير من الدول الآسيوية والأوروبية, وأن ما يجري هذه الأيام من محاولات جادة هدفها تفتيت وحدة الدولة الإندونيسية وتقسيمها إلى جزر وأرخبيلات لا يجمع بينها جامع ولا يربطها رابط, والتي إذا ما نجحت هذه السياسة المبيتة لاكبر دولة إسلامية في العالم, سيسهل على أصحاب هذه المشاريع والسياسات إعادتها للسيطرة الكلية من جديد والتحكم بها من الداخل, ليسهل فيما بعد دمجها في جملة المشاريع والمخططات, أو إلحاقها على أقل تقدير مبدئياً, بمجموعة السياسات الإقليمية والدولية المرسومة لتلك البقعة من آسيا على المدى المنظور. ومن نافلة القول إن مجموعة من الباحثين والمتخصصين قد اعتبروا أن الصيحة الغاضبة التي أطلقها الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن واحد مبكراً, من منتجع دافوس في سويسرا في بداية تسلمه السلطة ,والتي طالبت باستقالة وزير التنسيق للشئون العسكرية والأمنية وخمسة من الجنرالات, قد هزت الصورة السياسية الإندونيسية بعامة وهيبة المؤسسة العسكرية بخاصة. وقد أثارت جملة من التكهنات حول مستقبل النظام الإندونيسي برمته, حتى ذهبت العديد من الأوساط السياسية والإعلامية محلياً ودولياً على القول إن العسكر أصبحوا بعد إعلان هذه الصيحة من قبل الرئيس قاب قوسين أو أدنى, وهذا الأمر بحد ذاته أدى إلى تردي الأوضاع الأمنية بشكل واضح. ولعل جملة القرارات المتسرعة التي اتخذتها الحكومة في تحجيم دور الجيش الإندونيسي بالحفاظ على وحدة البلاد قد زاد الأمور تعقيداً, وأسس لحركات انفصالية جديدة مدعمة من دول الجوار الجغرافي والمدعوم دولياً بشكل عام. وان بعض الذرائع التي اتخذتها بعض الدول المجاورة والولايات المتحدة تحديداً في المطالبة بتحجيم بعض الجنرالات في وقت مضى انطلاقاً من مبدأ تبعية العسكريين للسلطة المدنِية التي تشكل أحد أسس الديمقراطية, قد زاد بالطين بلة. وأن الدفع بالحكومة الفتية والدعم الاستثنائي للرئيس الإندونيسي بمنحه حرية التصرف بالاعتماد على محاكم إندونيسية محلية في محاكمة بعض ضباط الجيش الإندونيسي المتهمين بالقيام بمذابح في تيمور الشرقية, وعدم إحالة القضايا إلى محاكم دولية, مثل محكمة لاهاي التي أقرت أحكاماً بحق مجرمي الحرب في البوسنة والهرسك. قد كانت فخاً للإيقاع بالحكومة والجيش والشعب على حد سواء, ومقدمة لعملية التفتيت المنضمة التي سعت لها الكثير من الدوائر المحلية والدولية. وما إعطاء الولايات المتحدة للرئيس الإندونيسي من انتصارات وهمية على المستويين الداخلي والخارجي,وتخليصه من لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة التي حملت الجيش الإندونيسي مسئولية أعمال العنف التي شهدتها تيمور الشرقية وباقي جزر الأرخبيل الإندونيسي إلا بداية غير سارة هدفها الأول والأخير, التحكم بمصير وحدة الدولة والمجتمع. وليس سراً إذا ما اعتبرنا أن كل هذه الترتيبات والتكتيكات, كانت مدخلاً أجهضت المؤسسة العسكرية وأفقدتها جزءاً لا يستهان به من هيبتها على المستويين الداخلي والخارجي, حتى باتت عرضة للتهديدات الداخلية الانفصالية, بالارتكاز بطبيعة الحال إلى المواقف الخارجية التي حاولت لجمها عن القيام بمهامها الوطنية. وقد ظهر هذا الأمر من خلال التهديدات الأمريكية القوية المتكررة للمؤسسة العسكرية الإندونيسية, وتحميلها مسئولية أي تحرك عسكري قد يهدف إلى القيام بأي عمل عسكري من شأنه أن يحدث أية خسائر حياداً عن التحرك المضاد وأهدافه ونواياه, بداية من أعمال الشغب والتخريب ونهاية بالانفصال عن المركز. وهذا الأمر أدى بالمؤسسة العسكرية لفقدانها أهم عامل كانت ترتكز إليه مثل بقية المؤسسات العسكرية في العالم أجمع بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا, إلى غياب الإرادة الموحدة إزاء أية أحداث داخلية تهدد مستقبل الوطن برمته, وأوصلها إلى حالة من الانقسام على ذاتها وأصبح ظهرها مكشوفاً. بالإضافة إلى أن جملة الظروف هذه, ترافقت مع جملة من الأزمات المالية والاقتصادية المتلاحقة, والتي سرعت في ظهور هذه الحركات الاستقلالية, لدرجة وصلت معها البلاد إلى مفترق طرق, ووضعتها على فوهة بركان ينتظر إنضاج الظروف الملائمة لكي يقذف بحممه الساخنة التي ستطال كل الجغرافيا الإندونيسية بلا استثناء, انطلاقاً من الفقر والفوارق الطبقية وانتهاء بالبحث عن القومية والعرق والمذهب والديانة. لكن السؤال الذي لا بد منه هل ستعمل الحكومة على ترميم المؤسسة العسكرية بهدف الحفاظ على وحدة الوطن؟ أم أنها الحكومة ستبقى تؤلب الأوساط الشعبية عليها انطلاقاً من الحقد المتأصل لدى الجمهور؟ وإذا ما بقي الأمر على حاله أي الأسلحة ستستخدمها الحكومة للدفاع عن وحدة الوطن الإندونيسي؟ لكن بعيداً عن الإجابات على جملة التساؤلات, إذا ما بقيت الأمور تجري عفو الخاطر بهذا الشكل, وبهذه المعالجات المرتهنة بالخارج, سنشهد أشكالاً وتجارب جديدة أشبه بالبلقنة, بل قد تفوق البلقنة إلى ما هو أكبر وأخطر بكثير, وستطال الكثير من دول الجوار على العكس مما يتوقع هذا الجوار الحاقد, والذي ينظر إلى هذه الجزر مترامية الأطراف على أنها فريسة يجب اغتنامها, ونهش ما يمكن نهشه. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق