عبدالناصر والماركسيون المستقلون.. هيكل يدعو لحشد المثقفين في شراع الثورة _ بقلم: صلاح عيسى

كان اقتناع (محمد حسنين هيكل) ــ المدني الوحيد في سلطة يوليو, ذات الأصول العسكرية والتي تعاني من فقر أيديولوجي مدقع, الذي يملك فرصة حقيقية للحوار مع (عبدالناصر) وللتأثير فيه ــ بأهمية اقامة جسر بين هذه السلطة وبين المثقفين اليساريين وبالذات الماركسيون, وراء ظهور (صفحة الرأي) بين صفحات (الاهرام) ــ ابتداء من مارس 1961. ووراء هامش الحرية الذي أتيح لها واتسع تدريجياً, في محاولة لأن يعود (الديالوج) بين الطرفين ــ الذي كان سائداً خلال عامي 1957 و1958 ــ ليحل محل (المونولوج) الذي ساد خلال عامي 1950 و1960 متواكباً مع حملة القهر الدعائي والبوليسي للشيوعيين, التي أشاعت الرعب بين صفوف النخبة المثقفة بكل تياراتها حتى تلك التي تعادي الشيوعية, ودفعهم الى نوع من السلبية, تركت الساحة الثقافية والفكرية, لكتابات تجمع بين النقاش والتشوش وتفتقد أية مصداقية, هو ما أزرى بمكانة النظام. ولم تكن صدفة أن تبدأ (صفحة الرأي) نشاطها بطرح قضية (أزمة المثقفين) في سلسلة من خمس مقالات كتبها (لطفي الخولي) لتكون أساساً لحوار اشترك فيه آخرون على الصفحة نفسها, أو في صحف أخرى, كان من بينهم (عبدالرازق حسن) و(عبدالملك عودة) و(مجدي وهبة) و(لويس عوض) و(محمد الخفيف) و(كلوفيس مقصود) فضلاً عن (عباس العقاد) و(اسماعيل مظهر) و(زكي نجيب محمود) و(صلاح دسوقي). ومع أن معظم الكتابات لم تكن تخلو من حذر طبيعي, بتأثير حقبة المونولوج المخيفة, إلا أن الهم الديمقراطي كان يشيع بين تشخيص الكثيرين للأزمة, وما لبث (محمد حسنين هيكل) أن شارك في الحوار, فكتب ست مقالات بين 2 يونيو و14 يوليو 1961 ــ جمعها بعد ذلك في كتاب من أخطر ما كتبه. ومع ذلك لم يطبع سوى مرة واحدة, هو نظرة الى مشكلاتنا الداخلية في ضوء ما يعرف بـ (أزمة المثقفين) ــ إذا كانت في الواقع بمثابة مانيفستو لمرحلة جديدة من مراحل الثورة, فبعد خمسة أيام فقط من نشر آخر تلك المقالات, تتالى ــ اعتباراً من 19 يوليو 1961 ــ صدور قرارات التأميم الشهيرة. وبصدورها ترابطت كل مشاهد السيناريو الذي بدأ بقبول فكرة (لطفي الخولي) بالحوار.. بين الماركسيين والنظام, ثم بالإفراج عنه وعن غيره من الماركسيين المستقلين ووراء فتح صفحة الرأي وإدارة الحوار حول أزمة المثقفين, وتدخل (هيكل) الحاسم لتوجيه المناقشة في الاتجاه المطلوب ليقول ما خلاصته إن قيادة (عبدالناصر) حققت للمثقفين اليساريين والتقدميين أكثر مما كانوا يحلمون به, وأن الصدام بينهم وبينها يعود الى اصرارهم على نمط معين للتغير الثوري في الوقت الذي كانت فيه هذه القيادة تواجه محاولات لجذبها الى الخلف. وهو ما دفعها لكي تقدم (أهل الثقة) عن (أهل الخبرة), أما والثورة تتجه الى قفزة كبرى تضع خلالها كل موارد البلاد بين يدي الدولة الثورية, فإن الباب مفتوح للجميع لكي يشاركوا بفاعلية في عملية اعادة بناء المجتمع, فالثورة في حاجة الى المثقفين والتكنوقراطيين لكي يديروا وحدات الانتاج, ويسهموا في تنفيذ خطة التنمية, وهي في حاجة الى غيرهم من المثقفين الثوريين لكي يصوغوا من أعماق ضميرهم وعلمهم وعقيدتهم الثورية, ويعطوها من فكرهم نظريتها الوطنية, أي طريقها الى التغيير الأساسي والجذري. ولأن قرارات التأميم التي صدرت في يوليو عام 1961, قد حققت أكثر مما كان يحلم به الشيوعيون بمعارضة النظام, بعد ان تلاشت ظاهرياً كل القوى السياسية الأخرى, ولم يعد أمامهم مفر من أن يؤمموا أنفسهم اختيارياً ويندمجوا في بنية النظام.. الذي قرر هو الآخر أن يدمج أهل الثقة بأهل الخبرة, على أساس ان يثبت الجميع انهم أهل للثقة. كانت مشكلة (عبدالناصر) الأساسية, انه ـ ربما بشكل غير واع ــ قد دمج الوطن والشعب والثورة في شخصه, فأصبح الحفاظ على السلطة في مخيلته قريناً بالحفاظ على هذا كله, وفي بعض الأحيان مقدماً على الاحتفاظ بهذا كله أو ببعضه وأصبح ولاء الآخرين له, وثقته بهم, هو هاجسه الأساسي, ولم يكن في أي وقت من الأوقات مستعداً للقبول بأية مشاركة مؤثرة في اتخاذ القرار, إذ لا يفتى و(عبدالناصر) في المدينة. ولم تكن صدفة أن كل التنظيمات السياسية التي ابتكرها كانت أوعية لتنظيم التأييد لا لتنظيم المشاركة. ولما كان عازفاً حتى عن تنظيم الذين يؤيدونه, فقد كان طبيعياً ألا يسمح بذلك للذين يعارضونه أو يحالفونه. كانت مشكلة (عبدالناصر) مع الشيوعيين ذات أبعاد ثلاثية مترابطة فهم ــ كما أشار (هيكل) ــ يصرون على تصور نظري معين للثورة, لا يوافقهم عليه, وهم الوحيدون من بين القوى السياسية التي كانت قائمة قبل الثورة الذين رفضوا حل حزبهم والانضمام كأفراد الى (الاتحاد القومي) على الرغم من أنه طلب ذلك منهم صراحة في خريف 1958. في هذا السياق جاء فكرة التعاون بين نظام يوليو في حقبته الاشتراكية وبين ذلك الفريق من الماركسيين المستقلين الذين يقف في طليعتهم (لطفي الخولي) في الوقت الذي كانت تتواصل فيه عمليات اعتقال الشيوعيين المنظمين ــ سواء كانوا مؤيدين أو معارضين ــ وتقديمهم الى محاكمات عسكرية. وكان هذا التعاون بالطبع مشروطاً وكانت شروط (عبدالناصر) بالطبع هي المرعية بحكم أنه الطرف الأقوى وكانت التجربة بمجملها (بروفة) لصيغة التعاون التي يقبلها النظام مع (الشيوعيين) بعد أن يتحولوا الى (ماركسيين) ــ أي يتخلوا عن تنظيمهم المستقل. يقول (لطفي الخولي) في لقاء مع الباحثة الأمريكية (سيلما بوتمان) إن (صفحة الرأي) كانت لديها فرصة لانتقاء بعض النقاط السلبية في سياق ابراز الايجابيات وأن (عبدالناصر) قال إنه يسمح لكل نقد عدا الشخصي. ويقول (ابراهيم سعد الدين) ــ لنفس الباحثة ــ إنه كان هناك فهم متبادل بين (لطفي) و(هيكل), بحيث إن (لطفي) قام بتنظيم عمله بشكل ما مع وجود بعض الحدود, فهي صفحة تنقد النظام دون عدوانية, وكان هذا النقد ــ اطار التأييد ــ يركز على ابراز الخطوات التي تتخذ لإجراء التغييرات الاجتماعية المطلوبة. ويقول (عبدالرازق حسن) للدكتور (فخري لبيب) إنهم اشترطوا على (هيكل) ألا يؤاخذوا على ما يبدونه من آراء أو يعتقلوه بسببها, وأنه وعدهم بذلك. في هذا السياق ــ فإن صفحة الرأي ــ كما قال (لطفي الخولي) لم تكن تقترب إلا من القضايا التي تستطيع أن تقول فيها بالقدر الواجب من الحقيقة بوجهيها السلبي والإيجابي, وأنها كانت تحذر من الوقوع في التبرير وكانت تؤيد بصراحة وتختلف بصراحة, وأن الصفحة انفتحت أمام كل المثقفين الجادين من مختلف الاتجاهات وبالذات تلك التي كانت لا تعبر عن نفسها بسبب عدم الاطمئنان, ومنها العناصر الليبرالية والديمقراطية بل والمعادية للماركسية. لقيت (صفحة الرأي) هجوماً متعدد الاتجاهات, كان أقساها هو ما جاء من الشيوعيين المعتقلين, الذين كانوا ينظرون الى الماركسيين المستقلين باعتبارهم مواطنين درجة ثانية أو ثالثة, وينظر المتشددون منهم الى الذين يتعاونون مع الماركسيين مع نظام يعتقل الشيوعيين ويعذبهم باعتبارهم خونة أو مرتدين أو ما هو أسوأ من ذلك. ويقول (لطفي الخولي) إنه حفز الرئيس الغيني (سيكوتوري) عند زيارته لمصر على أن يعيد فتح موضوع المعتقلين الشيوعيين مع (عبدالناصر) وأنه شجع الصحفي الفرنسي (المصري الأصل), (اريك رولو) على أن يثير القضية ذاتها, عندما أجرى حواراً مع (عبدالناصر) عام 1963, وهو الحوار الذي أعلن فيه (عبدالناصر) أنه سيفرج عن المعتقلين الشيوعيين قبل نهاية العام نفسه. وعلى الكفة الأخرى كانت هناك شكوك وعقبات تثيرها الجهات البيروقراطية التي لم تكن ترحب بتعاون النظام مع الماركسيين, بل وكانت تسعى لإثارة الشبهات حول ما ينشر بـ (صفحة الرأي) حتى أن (حسن المصيلحي) مستشار الرئيس (عبدالناصر) لمكافحة الشيوعية في ذلك الحين ــ اتهمها بأنها تستخدم الشيفرة في إجراء حوار مع المعتقلين. وخلال الأعوام الثلاثة التالية, التي فصلت بين ظهور الصفحة في مارس 1961, واجتماع مجلس الأمة في مارس 1964, تتالت أحداث كان لبعضها تأثير ايجابي على علاقة (عبدالناصر) بالشيوعيين والماركسيين, وعلى موقفهم منه, كان من بينها اصدار قرارات التأميم في يوليو 1961, التي استكملت في أغسطس 1963, لتصفى ــ في تحليل الشيوعيين ــ البرجوازية المتوسطة.. كما كان من أهمها تفكك الوحدة المصرية السورية للأسباب نفسها التي حذر منها الشيوعيون. وصدور (ميثاق العمل الوطني) الذي حاول فيه (عبدالناصر) أن يصوغ لثورته أيديولوجية اعتبرها بعض الشيوعيين, اشتراكية غير ماركسية, واعتبرها آخرون مؤشراً على وجود مجموعة اشتراكية في قمة السلطة واعتبرها فريق ثالث أيديولوجية بونابرتية تخدم مصالح رأس المال الكبير. وذوبان الجليد عن العلاقات المصرية ــ السوفييتية, والتغيير الإيجابي في رؤية المنظرين السوفييت للنظام الناصري, والذي أخذ صورة تحليل يقول إن هناك طريقاً ثالثاً للنمو ــ غير الطريقين الرأسمالي والاشتراكي ــ هو طريق النمو اللارأسمالي. وأن هذا هو الطريق الذي تتبعه أنظمة الديمقراطية الوطنية في العالم الثالث وفي مقدمتها نظام (عبدالناصر). وهكذا غادر الشيوعيون المصريون المعتقلات في مارس 1964 ليجدوا رطانتهم الثورية تتلعثم على ألسنة المسئولين وممثلي الاذاعة والتلفزيون, وتتعثر على أقلام صحفيي النظام الذين لا يعرفون لها معنى, وليجدوا واقعاً اجتماعياً يوحي بأنه سيكون مختلفاً: اختفت طبقات وفئات اجتماعية بالكامل, وكمنت بقاياها السياسية تحت السطح وأموالها السائلة تحت البلاط, تنتظر فرصة ملائمة للظهور, وحصل العمال والفلاحون والطبقات الوسطى الصغيرة على مكاسب نظرية لم تكن قد طرحت أكلها بعد, لكن وعدها المعسول كان كافياً لأن يصموا آذانهم عن كل دعوة اشتراكية من خارج النظام, وبرز على السطح تنظيم سياسي لنظام سياسي يبعث على الظن في أن كليهما سيكون مختلفاً عما سبقه. اختفت لافتة (الاتحاد القومي) الذي كان يزعم أنه يمثل المواطنين جميعاً لتحل محلها لافتة (الاتحاد الاشتراكي العربي). وكان الكلام يجري همساً عن أن (عبدالناصر) بدأ بالفعل بتشكيل (جهاز سياسي) داخل هذا الاتحاد الفضفاض, يقوم ــ كما أشار (الميثاق) في غموض ــ (بتجنيد العناصر الصالحة للقيادة وينظم جهودها ويبلور الحوافز الثورية للجماهير). وحتى قبل أن يغادروا المعتقلات, كان التنظيم الشيوعي المستقل قد انتهى عملياً, بسبب التطورات الأيديولوجية في المعسكر الاشتراكي والتقلبات السياسية في مواقف المنظمات الشيوعية, والأهم من ذلك أن حملة 1959 ــ 1964 كانت قد كشفت الكادر الرئيسي والاحتياطي حتى مستوى المرشحين والعاطفين, فأصبح العمل السري مستحيلاً في ظل نظام حكم كانت عيون أجهزة أمنه تخترق كل جدار. وفضلاً عن أن خط المجموعة الاشتراكية, كان قد انتصر فإن ظاهرة الماركسيين المستقلين كانت قد تفشت, لذلك حدث ما كان متوقعاً, فاستجاب الشيوعيون المصريون لما رفضوه في خريف 1958, وقرروا تأميم أنفسهم, وإنهاء الوجود المستقل لحزبهم. كخطوة لا بدّ منها في ظروف بلادنا الخاصة, لوضع أسس الوحدة بين الاشتراكيين في تنظيم ثوري واحد, في حزب اشتراكي واحد. ومع أنها لم تكن مصادفة أن حرص البيان على الإشارة الى (وجود ماركسيين غير منظمين) يساندون قيادة عبدالناصر إلا أننا لم نجد كل المصادر, التي تحدثت عن حل المنظمات الشيوعية, أية إشارة من بعيد أو من قريب على أن (لطفي الخولي) قد لعب أي دور في هذا الصدد, أو تحدث معهم بشأنه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات