في سنة 1914 اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى, ويومها أعلنت إنجلترا فرض حمايتها على مصر, وكان من أبجديات هذه الحماية خلع حاكم مصر الشرعي الخديوي عباس حلمي الثاني الذي كان غائبا يومها في زيارة في اسطنبول, ومن ثم انهالت أوامر السلطة البريطانية المحتلة بكبت الحريات وتعطيل القوانين واعلان حالة الطوارئ وبث العيون والجواسيس وشراء ذمم المخبرين والمرشدين والبصاصين وانتهى الأمر بفرض حسين كامل باشا, عم الخديوي الغائب المخلوع حاكما على مصر مع استحداث لقب جديد اضفوه عليه ليصبح عظمة السلطان حسين كامل. مازالت صورة حسين كامل تطل من ثنايا ذاكرتنا تعتمد وعينا الصورة وأبعادها وظلالها. رجلا طويل القامة يرتدي طربوشا لافتا للنظر من فرط طوله وقد ارتداه مائلا بزاوية شبه حادة على يسار جبينه, ناهيك عن شارب مائل بدوره إلى بياض من مشيب جليل مبروم بكثافة تليق بأناقة ذلك العصر يكاد يغطي شفتي السلطان حسين وتكاد تصدق عليه عبارة بيرم التونسي يصف بها شوارب (باسعده) بطل أغنيته الشهيرة التي لحنها زكريا أحمد بعنوان (ياصلاة الزين) حين قال بيرم: وبا سعده فارس معدود على صيته بايت محسود على صوته شاب المولود على دراعه يبنوا قصرين على شواربه يقفوا صجرين ولك أن تتخيل وتعرف اثنين من الصقور الجوارح على شوارب الفارس المعدود, المحسود عند بيرم تماما كما لانزال نستدعي من أعماق الذاكرة شوارب سلطان مصر الأسبق حسين باشا كامل منذ وعيناها في كتب التاريخ الساذجة التي كنا نقلب صفحاتها في فترات الطلبة وكان ذلك منذ زمان بعيد, نكاد نتصوره ينتمي من فرط توالي السنين إلى عصور سحيقة في مراحل ما قبل التاريخ. وحين تولى السلطان حسين عرش مصر, دب الرجل وسرت الهواجس في أوصال بطانة الخديوي المخلوع, وكان من بينهم ولا فخر الشاعر أحمد بيك شوقي. في هذا السياق يقول العلامة شوقي ضيف: كان شوقي يحب عباسا ويؤثره على حسين كامل ولكن الظروف تغيرت ولابد لشوقي من المداورة فصاغ قصيدته (اللامية) التي نشرتها صحف القاهرة يوم 21 ديسمبر 1941, قاتل الله الحرص والخوف والمدارة.. ها هو شوقي للأسف يمدح الإنجليز كي لا يبطشوا به وهو المثقف المرفه الذي طالما ألف حياة الرغد في قصور الدعة وترف السلطان حتى ليقال أن شوقي كان طفلا يحبو في سراي الخديوي اسماعيل وحين نقلوا إلى الخديوي مشكلة الطفل في أنه يرفع عينيه محلقا إلى السقف باستمرار لم يتورع (أبو السباع) اسماعيل كما يحب المصريون أن يسموه عن أن يأمر ببدرة من ذهب نضار لامع يخطف بريقه الأبصار, فكان يعرض الذهب على أنظار الطفل إلى أن جذب عينيه بريق الذهب الابريز حتى تعود أن يخفض ناظريه إلى مستوى الأرض وما فوقها مثل سائر عباد الله. ها هو شوقي وقد فتح عينيه على بريق الذهب يضطر إلى مداهنة الإنجليز فيقول عنهم في اللامية: حلفاؤنا الأحرار إلا أنهم أرقى الشعوب عواطفا وميولا ثم يحاول شوقي أن يتقرب من حسين كامل العاهل الجديد الذي نصبه الإنجليز المحتلون الغاصبون حضرات الحلفاء الأحرار كما اضطر شوقي أن يسميهم فيقول الشاعر مسترسلا: الخير فيما اختاره لعباده لا يظلم الله العباد فتيلا ثم يخاطب السلطان حسين, وكأنك تشعر أن كل هذا الخطاب المديحي كان من وراء قلبه ورغم أنف عواطفه, يقول شوقي: يا أكرم الأعمام حسبك أن ترى للعبرتين بوجنتيك مسيلا الله يشهد ما كفرت صنعية في ذا المقام ولا جحدت جميلا أأخون اسماعيل في أبنائه ولقد ولدت بباب اسماعيلا جرت الأمور مع الفضاء لغاية واقرها من يمكن التحويلا دفعت بنا فيه الحوادث وانقضت ألا نتائج بعدها وفصولا وانفض ملعبها وشاهده على أن الرواية لم تتم فصولا ورغم كل هذه المدارة, إلا أن الرقيب الحكومي وقتها وقف عند آخر الأبيات متسائلا في تخابث حكومي أيضا: يعني ايه, أن الرواية لم تتم فصولا يقول الباحث محمد سيد كيلاني: ولما نشرت القصيدة كثر اللغط حول الشاعر وذكرت الصحف أن أحمد بيك شوقي سوف يحال إلى المعاش (التقاعد) من أول يناير 1915 ولكن في 11 يناير نشرت صحيفة (الوطن) موضوعات عن التحقيق مع أحد كبار الشعراء لنشره قصيدة فيها كما ذكرت الجريدة بعض المغامز السياسية بما لا يصح نشره في الوقت الحاضر. هكذا حققوا مع الشاعر شوقي ولزم داره في ضاحية المطرية (شمال شرق القاهرة) دخل ساكتا لا يسمع صوته ولا يمدح السلطان, ولكن عندما اضطرت الأحوال أصدروا قرارهم بإبعاد أحمد شوقي إلى خارج البلاد وهنا بدأ فصل جديد لم يكن شوقي يألفه من قبل ولا يتوقع حدوثه في يوم من الأيام, فصل في حياته يحمل عنوان (الغريب) على حد مايذكره الدكتور ماهر حسن فهمي في كتابه عن أحمد شوقي. صباح أغسطس 1915 ها هو شوقي يقف على رصيف ميناء بورسعيد, لا يكاد يصدق عينيه كم تعددت من قبل سفراته, يأتي في قطار فاخر يضم مقصورة لجناب الخديوى الأفخم, يستقبله أكابر القوم في توقير واحترام وسط تقاليد التشريعية, تنتظره مع حاشية الأمير الحاكم باخرة وثيرة فارهة مزينة بأعلام تتصاعد من فوق متنها موسيقى تعزف مارش السلام الخديوي, صحيح أن شوقي يحيط به الآن أفراد عائلته وبعض خدمه, وصحيح أنه اختار أن يكون منفاه في برشلونة وهو اختيار لا يصدر سوى عن شاعر عروبي, مثقف يتجه هواه, رغم الغربة إلى الأندلس تاريخها ومعالمها وصدى مغانيها التي كانت زاهدة يوما في ظل اعلان الإسلام لكن مطيته هذه المرة سفينة بضاعة صغيرة وقديمة, على متنها بضعة أجانب من المطرودين ترحيلا من اقليم مصر وليس هذا فقط حملت السفينة شحنة كبيرة من الثيران التي كانت بدورها في الطريق إلى أسبانيا للمشاركة في حفلات مصارعة الثيران, ولكن أن تتأمل مرارة المفارقة, سفينة صدئة مهترئة, تحمل فوق ظهرها شاعراً كبيراً وعدداً من البقر.. لا عجب أن يصف شوقي هذه الملابسات في كتابه النثري الوحيد الذي أصدره من بعد بعنوان أسواق الذهب, يقول: أن للنفي لروعة وأن للنأي للوعة وقد جرت أحكام القضاء, بأن نعبر هذا الماء حين الشر مضطرم واليأس محتدم والعدو منتقم والخصم محتكم وحين الشامت جذلان يبتسم يهزأ بالدمع وأن لم ينسجم. ثم هبت عاصفة عاتية في مياه المتوسط وأصبحت السفينة قطعة من حديد تتقاذفها الريح. وتحول الأمر ليصبح أقرب إلى تراجيديا تختلط فيها معاناة الإنسان بآلام الحيوان, حين اقبل الليل, وازدادت في مجرة الريح, وارتفع الموج هادرا كالجبال لم يجد القبطان بدا من اتخاذ قرار انفطر له قلب الشاعر المنفي الكبير. تخفيف حمولة السفينة بالقاء ركابها من الثيران إلى مياه البحر المتوسط ولك أن تتصور من جديد أبعاد المأساة التى كانت فصولها تتكشف وسط ليل لم يكن يعد بطلوع نهار: شاعر منفي.. وقبطان بغير قلب.. وضرورات تراجيدية لها أطعام ورياح صرصر وأنواء.. رعود وبروق مجنونة وأنواء.. رعود وبروق تلمح كالنذير وسط ظلام العاصفة. الثيران يلقونها الى لجة اليم تحاول أن تعوم ولا جدوى فاذا ما كلت اسلمت نفسها الى حكم القدر وهى تخور بشكوى لا يفهمها سوى خالقها الذى اذ تشكو اليه انانية الانسان.. شاعر يعربي يضم اسرته وذويه وفي فؤاده ألف سؤال وألف احتمال. تراتيل تتصاعد على ألسنة رهبان كانوا يشاركونهم السفينة المسكينة.. ثمان وأربعون ساعة من هذا الكرب العظيم الى أن جاء الفرج.. فإذا بالعاصفة تسكن والأمواج تهدأ والسماء تشرق. كل هذه المشاهد حكاها (علي) ابن أحمد شوقي في كتاب اصدره بعد ذلك بعنوان (أبي شوقي) وفيه يحكي الصبي كيف جاء الى ابيه يسأله بعد انحسار الخطر: * أدعاء الرهبان يا أبي هو الذى أنقذنا من الغرق؟ ــ أجاب شوقي: بل دعوات جدتك الطيبة يابني وبركاتها!! وسواء استجابت السماء لدعاء مرتاعين تصاعد من فوق السفينة أم لدعاء أم ملهوفة على ابنها الشاعر المنفي الغريب وكانت وقتها تقيم في ضاحية حلوان التى كانت وادعة وارفة وجميلة فى جنوب القاهرة فها هى طيور الماء البيضاء وقد حومت فى الجو. * كما يضيف الدكتور ماهر حسن فهمي: وها هى السفينة تشق طريقها الى ميناء برشلونة.. أولى المحطات فى الملتقى الذى قيض للشاعر أحمد شوقى أن يمضي فيه نحوا من خمس سنوات لم تنل حظها فيما نتصور من الاهتمام والمتابعة من مؤرخي أمير الشعر الحديث.. أحمد شوقي. وها نحن نكلف أنفسنا لهذه المهمة وفيها من جميل الشعر وطرائف الواقع وغمزات النقد.. فانتظره.