ماذا أنجزت الحكومات العربية من الوعود التي ألزمت بها نفسها في قمة القاهرة تجاه الشعب الفلسطيني وانتفاضته البطولية؟ والإجابة ــ دون مبالغة: لا شيء على الإطلاق. لقد حفل بيان القمة التي عقدت قبل أربعة شهور على خلفية الحرب الوحشية التي تشنها القوات الاسرائيلية ضد جماهير الشارع الفلسطيني بسلسلة من الوعود الرنانة لدعم الفلسطينيين.. وكلها ارتبطت بصورة مباشرة وغير مباشرة بالتزام مالي حددت قيمته بمبلغ مليار دولار.. لتنفق على أسر الشهداء وعلى مشاريع عاجلة في غزة والضفة.. حتى يتمكن الشعب الفلسطيني من الصمود طويلاً في وجه عدوان مزدوج يجمع بين القمع العسكري والحصار الاقتصادي. لكن الألف مليون دولار الموعودة لم يصل منها دولار واحد الى أي فلسطيني بينما الشعب الآن, وهو لما يزل يواصل المقاومة المسلحة, صار على أعتاب مجاعة مع تواتر إجراءات الحصار الاسرائيلي. ووفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة فإن البطالة في المناطق الفلسطينية ارتفعت بمقدار ثلاثة أمثال لتبلغ نسبة تقارب 40%. وارتفعت نسبة الفقر المطلق إلى 50%. وباستثناء الأضرار التي لحقت بالممتلكات وتكلفة العناية بنحو 11 ألفاً من الفلسطينيين المصابين فإن الخسارة الاجمالية تقدر بنحو 1500 مليون دولار حتى الآن. فماذا جرى بشأن الألف مليون دولار الموعودة عربياً؟ ما جرى هو فضيحة. وليس في القاموس كلمة أدق. أولاً, أخذت كل حكومة عربية منذ انفضاض القمة تتراجع عن قيمة النصيب الذي سبق أن التزمت به.. وهكذا تقلص المبلغ الاجمالي الى 600 مليون دولار. وحتى هذا المبلغ المخفض لم يصل منه فعلياً الى حساب خاص فتح في (بنك التنمية الاسلامي) في جدة (وفقاً لقرار من القمة) إلا نصفه أو أقل. لكن حتى التحويلات التي وصلت الى هذا الحساب المصرفي بقيت هناك. فبعد أربعة شهور من القمة لم يدفع شيء منها إلى الفلسطينيين. لماذا؟ لأن الحكومات العربية لا تزال تتناقش فيما بينها حول (أنجع الوسائل) لإنفاق ما توفر فعلاً من أموال.. وحتى الآن لا يزال هذا النقاش دائراً بعد اجتماع لوزراء المالية العرب في القاهرة أعقبه اجتماع وزاري للجنة (المتابعة) المنبثقة عن القمة. ويتواصل النقاش العقيم بينما فقد نصف الفلسطينيين مصادر دخلهم الأساسية واستنفد كثيرون منهم مدخراتهم. فهل يعتبر مسلك الحكومات العربية على هذا النحو عجزاً عن الارتقاء الى مستوى الطابع العاجل للظروف الاستثنائية السالبة التي تواجه أسر وجماهير الشعب الفلسطيني أم انه مماطلة مقصودة. أغلب الظن انه مماطلة ناتجة عن شعور مضاد للانتفاضة الفلسطينية وما تسببه من حرج للحكومات العربية في علاقاتها مع الولايات المتحدة واحتمال إيقاظها للشارع في العواصم العربية. إن بعض الحكومات العربية تتعلل بفساد رجال الطاقم السلطوي الفلسطيني فتقول إن أي أموال ترسل سوف يستولي عليها مسئولو السلطة الفلسطينية لتحويلها الى منفعتهم الشخصية. وهذه حجة تبدو في ظاهرها وجيهة. فحتى الفلسطينيون أنفسهم يجأرون بالشكوى من فساد السلطة. ولكن مما يفضح هذه الحجة ــ أو قل الذريعة بالأحرى ــ أن هناك وسائل بديلة لتوصيل المساعدات الحكومية العربية إلى أسر الشعب الفلسطيني رأساً. وإلا كيف تمكنت الحكومة العراقية من إيصال مبلغ عشرة آلاف دولار لكل أسرة من أسر الشهداء الفلسطينيين متجاوزة قنوات السلطة الفلسطينية تماماً بالاعتماد على كودار (حزب البعث) الفلسطيني؟