من الصعب على المرء ألا يتأثر بشخصية وزير الخارجية الأمريكي كولن باول. فحتى منتقديه يعترفون بعمله الجاد وانضباطه وخدمته المخلصة لأمريكا. وفيما وراء ذلك, هنالك شخصيته وذكاؤه الواضح وجاذبيته الشخصية. البعض تساءل كيف سيكون سهلاً على باول الانتقال من الحياة العسكرية الى الحياة المدنية؟ ولكن لدى قراءة سيرته الذاتية التي تحمل عنوان (رحلتي الأمريكية) وسماع خطبه أو إشتراكه في نقاش معين, يصبح من الواضح أن التحول كان سهلاً للغاية. فمن المؤكد انه يعي ويفكر بعمق في القضايا الأمنية, ولكنه يقتبس بحرية أيضاً من دكتور مارتن لوثر كنج وتوماس جيفرسون. إن كفاح باول لم يقتصر فقط على قضايا السياسة الخارجية. فقد عمل كذلك على تطوير موقف عالمي فلسفي أوسع ينسجم مع تجربته الشخصية في الحياة ويتشكل بتأثيرها. وفي سيرته الذاتية, يصف باول قصة حياته كالتالي: (قصتي هي قصة صبي أسود لا يملك دلائل مبكرة تبشر بمستقبل واعد وينحدر من أسرة مهاجرة ذات سبل عيش محدودة نشأ في ساوث برونكس وصعد السلم بطريقة ما ليصبح مستشاراً لشئون الأمن القومي لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية, ومن بعد ذلك رئيساً لهيئة الأركان المشتركة في الجيش الأمريكي. إنها قصة عمل جاد وحظ طيب.. إنها قصة الخدمة في الجيش والجندية. إنها قصة تتحدث عن الأشخاص الذين ساعدوا في ايصالي الى المكان الذي أنا فيه الآن. وهي قصة استفادتي من الفرص التي سنحت بفعل تضحية أولئك الذين سبقوني وربما إفادتي لأولئك الذين سيأتون بعدي. إنها قصة إيمان .. إيمان بنفسي وإيمان بأمريكا.. إنها قصة حب: حب للأسرة والأصدقاء, وحب للجيش ولبلادي). ميراثه الأمريكي الأفريقي وخدمته في وظيفة حكومية وإخلاص أسرته وأصدقائه واحترامه العميق لقيم الديمقراطية وفرص الحرية... هذه هي المسائل التي كونت كولن باول. إذا, هذا هو الرجل الذي سيلتقيه القادة العرب بمنصبه الجديد هذا الأسبوع. فعندما التقوا باول آخر مرة, كان يشغل آنذاك منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة ـ القائد العسكري الأمريكي الأعلى, الذي تولى المسئولية الكلية خلال حرب الخليج. بعض النقاد الذين كتبوا عن هذه الفترة وصفوا باول بـ (المحارب المتردد) لأنهم زعموا أنه قاوم التورط العسكري الذي ليست له أهدافاً محددة بدقة ووضوح. وبالتأكيد, فإن باول, الذي صقلته تجربته في فيتنام والأصدقاء الشباب الذين شاهدهم يموتون في ذلك الصراع الطويل, قد أثار أسئلة مشروعة حول استخدام القوة. وكان يقول إن الحرب تعتبر (الخيار الأخير) ويجب ألا يتم استخدامها بشكل عرضي. وقيل أيضاً إنه قاوم التدخل في الصومال والجهود المبكرة التي كانت ترمي إلى استخدام النهج التدريجي في اللجوء الى القوة في البوسنة. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها منتقدوه للنيل من سمعته, إلا أنه دافع عن موقفه ولقي دعماً من الرئيس الأسبق بوش, وفي نهاية حرب الخليج حظي بالاشادة على الصعيد العالمي باعتباره (بطلاً أمريكياً). وبعد تركه للجيش في عام 1993, أصبح باول أكثر الشخصيات السياسية شهرة في الولايات المتحدة. وبشعبيته التي كانت تزيد في معظم الأحيان على 80%, فقد سعى إليه الحزبان السياسيان بتلهف كبير. وحتى قبل أن يتقاعد, اقترح عليه بعض الجمهوريين أن يكون مرشحاً لمنصب نائب الرئيس إلى جانب الرئيس الأسبق بوش في عام 1992. وأشىع على نحو غير صحيح بأن كلينتون عرض عليه في وقت مبكر منصب وزير الخارجية في إدارته. غير أن باول اختار ان يقضي وقتاً خاصاً مع أسرته واستغل الوقت في تطوير آرائه السياسية الأوسع. وعندما أعلن في النهاية انضمامه للحزب الجمهوري في عام 1995, كانت هناك مؤشرات قوية على أنه قد يسعى للحصول على ترشيح جمهوري لمنصب الرئيس في عام 1996. وبسبب مواقفه المعتدلة فيما يتعلق بالحقوق المدنية والتحرك الإيجابي للحكومة, فقد شن المحافظون المتشددون هجوماً قاسياً على باول. وعلى الرغم من أنه اختار عدم ترشيح نفسه في ذلك العام, إلا ان نجمه السياسي ظل ساطعاً. ويشير العديد من المراقبين الى ان الايحاء القوي الذي أبداه جورج دبليو بوش خلال الحملة الانتخابية عام 2000 بعزمه على تعيين باول وزيراً للخارجية ساعد حاكم تيكساس على كسب تأييد أولئك الذين شككوا في قدرة بوش على ادارة الشئون الخارجية. وعندما تم انتخاب بوش وجعل باول أول الوزراء المعنيين, فإن هذا الإجراء عزز من مكانة الادارة الجديدة. وفاز باول بتصديق سريع على تعيينه من مجلس الشيوخ المعجب بشخصيته. والآن, فإن وزير الخارجية باول يواجه ما يمكن اعتباره أخطر التحديات التي واجهها في حياته المهنية. فالوزارة التي دعي لإدارتها كانت قد عانت من تدهور خطير في المعنويات خلال فترة حكم الإدارات العديدة الماضية. فالعاملون في السلك الدبلوماسي في الوزارة شعروا أحياناً بأنهم مدحورون جانباً في عملية صنع القرار السياسي, حيث تم تعيين الموظفين السياسيين في مناصب تتيح لهم إدارة القضايا الحساسة في الشئون الخارجية. وتعاني وزارة الخارجية أيضاً من نقص خطير في المخصصات المالية. فعلى الرغم من تشغيلها لأكثر من 20 ألف مستخدم وتحملها لمسئولية تمثيل الولايات المتحدة في أكثر من 250 مكاناً في انحاء العالم, إلا ان ميزانية الوزارة انخفضت على نحو كبير في العقدين الماضيين. وكانت النتيجة هي وجود وزارة تعاني من نقص كبير في عدد المستخدمين وأجهزة قديمة. يعمل باول الآن على حل كلتا المشكلتين. ومما لا شك فيه ان نجوميته القوية في الكونجرس ستساعد الوزارة في الضغط من أجل الحصول على المخصصات المالية المطلوبة. وهناك تقارير تشير بالفعل الى تحسن المعنويات في أوساط العاملين في سلك الخارجية. ويجري باول مشاورات مع طاقم العاملين في الوزارة ويسعى لإيجاد طرق لإشراكهم في الجهود الرامية لإعادة تقييم وصياغة السياسة الخارجية. وسيواجه وزير الخارجية الجديد أيضاً مشكلات تتعلق بالمنافسة الداخلية بين الوزارات بشأن صنع القرار السياسي. وهذه حقيقة اعتيادية بالنسبة للحياة في واشنطن لدرجة أن مستشار الأمن القومي السابق لكلينتون أنطوني ليك ألّف كتاباً حول تاريخ الخصومة التنافسية بين مستشاري الأمن القومي للرؤساء السابقين ووزراء خارجيتهم. ويتنبأ الصحفيون بأن تأتي المنافسة لباول في إدارة بوش من الوزير رونالد رامزفيلد في البنتاجون وحتى من نائب الرئيس ريتشارد تشيني, الذي يقال إنه في خضم عملية بناء طاقمه الخاص من مستشاري الأمن القومي الذين سيبلغون نصائحهم بشكل مباشر الى رئيس طاقم موظفيه. والآن, فإن الجانب الأكبر من هذا التنبؤ يأتي من صقور ومحافظي السياسة الخارجية الذين يعبرون عن مخاوفهم من الاعتدال الذي يتمتع به باول. ومهما تكن الحقيقة, فإن باول سيكون قوة تستدعي المنافسة. فلقد سبق له أن خاض معارك سياسية داخل إدارات سابقة وخرج منها منتصراً. وهو يعرف القوانين ويعرف كيف يؤمن منصبه. ولكن هناك الحلبة العالمية أيضاً. فباول يبدأ مهام منصبه باعتباره الدبلوماسي الأمريكي الأبرز الذي يواجه مجموعة من الصراعات العالمية والأزمات المحتملة التي لا تقل خطورة عن تلك التي واجهها عندما ترك الوظيفة الحكومية قبل سبعة أعوام. وبالطبع, فإن هذا القول ينطبق بشكل خاص على الوضع في الشرق الأوسط, حيث سيواجه باول بالمعضلتين نفسيهما اللتين خلفتهما إدارة بوش في عام 1992 وهما الصراع الإسرائيلي ــ الفلسطيني غير المسوّى, والموقف من العراق. وبوجود الوزير باول الآن في الشرق الأوسط, فإنه بلا شك يسمع الأسئلة الخطيرة التي لدى القادة العرب والرأي العام حيال السياسات الأمريكية على الجبهتين العراقية والفلسطينية. وبينما كان الحاكم بوش منتقداً لسياسة كلينتون ازاء العراق خلال حملة انتخابات عام 2000, فإنه كرئيس للولايات المتحدة بدا مستعداً لتبني الوصفة نفسها, وهي: اعادة احياء العقوبات والاحتواء المتواصل وتغيير النظام. واليوم, فإن هذه السياسات تحظى بدعم اقليمي اقل مما كانت تتمتع به قبل ثماني سنوات. والجهد الهادف لمواجهة العراق معقد أكثر بفعل العلاقات العامة, والى درجة ما, بفعل النجاحات الاقتصادية الأخيرة لنظام بغداد. فالعديد من أعداء العراق السابقين يتعاملون تجارياً مع النظام, وجدران العزلة التي كانت تأمل الولايات المتحدة بأن تحد من الاتصالات الخارجية للزعيم العراقي آخذة بالانهيار. وسيثير العالم الغربي أيضاً أسئلة خطيرة حول دور الولايات المتحدة في الصراع العربي ــ الاسرائيلي. فهناك قلق متواصل بشأن المعايير المزدوجة للولايات المتحدة وخوف من أن يسبب تشكل حكومة متطرفة وغير مستقرة بقيادة شارون في اسرائيل استفزازات جديدة للفلسطينيين أو اللبنانيين أو السوريين. وبينما كان باول يستعد للبدء بزيارته, اتخذت إدارة بوش بعض الاجراءات المربكة والمشوشة حول الجبهتين في الشرق الأوسط. فمن خلال قصفها للعراق للمرة الثانية في غضون أسبوع واحد, أوضحت ان الضربة الأولى ينبغي عدم النظر اليها باعتبارها حادثاً منعزلاً. غير أن الرئيس بدا في وصفه لأهداف الهجوم وكأنه يترك المجال مفتوحاً أما امكانية قيام الادارة باستغلال زيارة باول لتبني توجه سياسي جديد ازاء العقوبات والاحتواء قد يحظى بتأييد إقليمي. وعلى الجبهة الفلسطينية, اتخذت الادارة أيضاً بعض الاجراءات المتفاوتة التي ينبغي ملاحظتها. ففي اجتماعاته مع قادة السلطة الفلسطينية الذين زاروا واشنطن, أفادت تقارير بأن باول ومساعده أصرا على أن تتخذ السلطة الفلسطينية خطوات لوقف العنف. وقد أبلغ الفلسطينيون أيضاً بأن الولايات المتحدة لن تنخرط, في هذه المرحلة, في محادثات ثلاثية, وهو ما يوضح أن نهج إدارة بوش سيختلف عن نهج إدارة كلينتون. وبالنسبة للجانب الإسرائيلي, فإن الوزير والناطق بلسان وزارته قدما الدعم لاستمرار وجود علاقة أمريكية ــ اسرائيلية قوية وعدد من الانتقادات أيضاً, بعضها مبطن والبعض الآخر مباشر أكثر. فقد حث باول, على سبيل المثال, الاسرائيليين بشكل مباشر على الافراج عن عوائد الضرائب التي يجرب حالياً منعها عن السلطة الفلسطينية. وفي الأسبوع الماضي, بينما كان يكرر متحدث باسم وزارة الخارجية الانتقادات الأمريكية لسياسة اسرائيل المتعلقة باغتيال قادة فلسطينيين, فإنه أشار أىضاً الى ان وزارة الخارجية تراجع شكاوى مفادها ان أسلحة أمريكية جرى استخدامها من قبل اسرائيل في انتهاك واضح للقانون الأمريكي. وفي اليوم الذي غادر باول للبدء بجولته الشرق أوسطية, أصدرت وزارة الخارجية تقريرها السنوي حول حقوق الإنسان الذي اشتمل على انتقاد حاد لمعاملة اسرائيل للفلسطينيين والمواطنين العرب في اسرائيل. من الواضح أن ادارة بوش لم تقم حتى الآن بصياغة نهج شامل للتعامل مع هذين الصراعين الحرجين في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق, فإن زيارة باول, وهي الأولى له كمسئول مدني, تعتبر على جانب كبير من الأهمية. ففي لقاءاته مع القادة العرب, سيعبّر عن آرائه وسيستمع الى آرائهم. ثم سيعود الى واشنطن ليواصل عملية اعادة التقييم ومن ثم صياغة السياسة الأمريكية. إن المأزق الذي يواجهه الوزير باول ليس من النوع الذي يحسد عليه. فالصراعان معقدان بطبيعتهما. وحياة البشر والاستقرار الإقليمي على المحك. والمصالح الحيوية لأمريكا موضوعة على المحك أيضاً وكذلك مكانتها وقيادتها للعالم. ومع ذلك, فإن أي رد سياسي أمريكي يتشكل في النهاية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الضغط القوي من جانب قوى سياسية محلية لها نفوذها, وعلى وجه الخصوص المحافظين المحدثين واليمين الديني وكلاهما دعما ترشح الرئيس بوش. إنها ليست المرة الأولى التي يواجه فيها باول (الصبي الأسود من ساوث برونكس) مثل هذه المعوقات, لكن هذه التحديات قد تضعه في مواجهة أعظم اختبار له حتى الآن. رئيس المعهد العربي الأمريكي