طوال اسبوع كامل توقفت فيه عن الكتابة مضطرة تحت وطأة آلام لا تطاق اجتاحت ذراعي وعنقي, وجعلتني أطرق ابواب الاطباء في اكثر من اتجاه بحثاً عن مخرج ينقذني من الألم, ويعيد لي قدرتي على الكتابة, ذهبت الى طبيب خاص, وطبيب في احد المراكز الصحية الحكومية ثم حُوِّلتُ من قبله الى طبيب استشاري مختص في احد المستشفيات الحكومية وبعد انتظار اسبوع كنت اجلس أمامه بانتظار التشخيص وتلقي العلاج. اكتفى الطبيب بفحص بسيط وبأسئلة مقتضبة, ودَوَّن طلبات عدة لفحوصات مختلفة.. وكنت اجتهد خلال ذلك ان أجعله يشعر بمدى معاناتي وألمي, فكنت اردد عبارة: دكتور انا لا استطيع النوم من شدة الألم, واحسست بأنها عبارة مفعمة في الذاتية والأنانية, ولكنها انانية مريض يبحث عن علاج يريحه, وهذا حقه حسبما أعتقد, وساعتها استحضرت آلاف المرضى الذين يعانون من أمراض وآلام أشد وطأة مما أعاني ورددت فيما بيني وبين نفسي: أعان الله كل مريض وصاحب ألم! سألني الطبيب ان اذهب للقيام بالفحوصات التي أوصى بها, وبألا انزعج اذا ما اعطيت موعداً متأخراً فهناك ضغط على بعض المواعيد والأقسام, وبأن الدواء والعلاج الطبيعي قد يريحني بانتظار الفحوصات الاخرى! كررت في داخلي وانا اتنقل بين ممرات المستشفى: كان الله في عون كل هؤلاء المرضى! وفي قسم العلاج الطبيعي دونت لي الممرضة او المسئولة موعداً وقذفت بالورقة في وجهي, سألتها متى سأبدأ العلاج؟ اجابت ببرود: بعد شهر! لماذا هذا التأخير؟ وكيف احتمل كل هذا الألم؟ اجابت: هناك ازدحام كثير وضغط على القسم! وخرجت مسرعة الى مركز التصوير بالرنين المغناطيسي قدمت الورقة للموظفة فسجلت اقرب موعد كما اخبرتني, وكان اقرب موعد بعد شهرين بالضبط!! وبعد اخذ ورد اخبرتني بأن القسم يعاني ضغطاً شديداً من قبل المراجعين, وبأنه لا يعمل سوى فترة واحدة وهذا ما يسبب التأخير في المواعيد, ولم أطل كثيراً, فليس الذنب ذنب الموظفة بالتأكيد, شكرتها ومضيت الى وحدة التشخيص العصبي الكهربائي ليسجل لي الموظف اقرب موعد هو الآخر وكان بعد 24 يوماً!! وحينما ذهبت لأخذ موعد مع الطبيب للمراجعة علمت بأنه يجب ان يكون بعد موعد التصوير بالرنين بمدة اسبوعين.. يعني انني سأرى الطبيب بعد شهرين ونصف ليقول لي مما اعاني وليكتب لي العلاج المناسب!! وبما ان رحلة الألم قد بدأت منذ اسبوعين فهذا يعني مدة انتظار تصل الى ثلاثة اشهر لأتلقى العلاج المناسب.. وفي اثناء ذلك لم ينس الطبيب ان يزودني بأدوية مسكنات وفيتامينات تكفي لمدة شهر وبعدها اتصرف بما اراه مناسباً, والمناسب معروف طبعاً.. العيادات والمستشفيات الخاصة. جلست بعد هذه الرحلة الشاقة والمعاناة التي زادت الى آلامي الاماً اخرى لأطرح على نفسي مجموعة لا تنتهي من الاسئلة: من المستفيد من هذا الوضع المتردي في تقديم خدمة صحية في أحد اكبر المستشفيات الحكومية بالمدينة؟ هل هو سوء الادارة ام سوء التخطيط ام قلة الموارد المالية أم خلل التركيبة السكانية؟ لماذا يقتصر العمل في وحدات التصوير والتشخيص على فترة واحدة في حين ان العيادات الخاصة تعمل فترتين وبامكان مستشفى حكومي كبير وعريق وترصد له الحكومة ميزانية ضخمة ان يقدم خدمة افضل من العيادات الخاصة بألف مرة مخففاً الضغط والمعاناة عن المرضى؟ وهل يعقل ان يتمكن طبيب خاص من فتح عيادات اشعة ووحدات تصوير متقدمة وبدوامين ولا يتمكن مستشفى حكومي ضخم من ذلك؟ ثم ما ذنب المريض ان يحتمل ثلاثة اشهر من المرض والألم والمعاناة حتى يصل دوره في طابور الانتظار؟ ان هذه المعاناة لم ينقلها لي مريض عبر الهاتف او ورقة رسالة, لقد عاينتها بنفسي, وها أنذا اضعها بين يدي المسئولين في المستشفى المذكور بمدينة دبي التي يتقدم فيها كل شيء بشكل رائع ومشرف بينما تتخلف فيها بعض الخدمات نتيجة عدم اجتهاد او اهمال من بعض المعنيين بالأمر!